العائلة: نواة الوحدة

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

يشكل التوحيد العمود الفقري للعقيدة الإسلامية وما يتمثل بالتوحيد على صعيد العقيدة يتمثل بالوحدة على الصعيد الاجتماعي. ومن هنا يمكننا القول بأن “التوحيد هو الوحدة العقائدية، وبأن الوحدة هي التوحيد الاجتماعي”. إن “الوحدة” فيما يخص علاقة العبد بالله تعني (التوحيد)، والتوحيد فيما يخص علاقة العبد بالعبد يعني “الوحدة“. تتجلى فكرة الوحدة لدى المؤمن كتعبير عن عقيدة التوحيد، والمؤسسة التي نطلق عليها اسم عائلة هي وحدة لأن تأسيس عائلة يكون باجتماع جنسين خلقا لبعضهما البعض.

إن النوع (الذكر والأنثى) موجود في أصل جميع الكائنات القادرة على التكاثر ويرجع أصل هذا الأمر لقانون القطبية المزدوجة الذي يخضع له عالم جميع المخلوقات. كل ما هو فرد خالق وكل ما هو ثنائي مخلوق. وبالنظر إلى قاعدة الخلق هذه فإن تأسيس عائلة يعني القبول بالكون مخلوقا والتسليم لهدف الخلق (ما خلق له). واحترام الخلق والفطرة يستوجب ذلك والحديث النبوي الشريف “الزواج سنتي ومن رغب عن سنتي ليس مني” يعبر في صميمه عن هذه الحقيقة فأكثر الناس من بين أفراد البشرية احتراما للخلق والفطرة هم الأنبياء الشخصيات الرائدة للإنسانية. وكلمة “سنتي” الواردة في الحديث الشريف تعني من كل بد “السنة الفطرية التي أتبع لها أنا أيضا”.

لا يمكن تصور عدم وجود مؤسسة العائلة التي تعتبر ضرورة للخلق والفطرة، إذ أنه من غير الممكن في هذه الحالة الحديث أيضا عن حياة اجتماعية للإنسان بل وحتى عن بقائه لأنه لن يكون ممكنا استمرار نسله. لكن في الوقت ذاته لا يمكن تقليص استمرار النسل لعملية التكاثر الجنسي فقط فالإنسان ـ وكما يدل عليه اسمه ـ لا يستحق أن يطلق عليه اسم إنسان إلا عندما يؤسس أواصر الأنس مع الآخر ولا يمكن أن ينتسب لما هو “أنسي” إلا عندما يبتعد عما هو “وحشي” ويكون مستأنسا لأن الإنسان مخلوق اجتماعي وحاجته لرعاية واهتمام الوالدين لا تمكن مقارنتها بحاجة أي مخلوق آخر. فالرعاية والعناية اللتان تعتبران حاجة للمخلوقات الأخرى هما ضرورة بالنسبة للإنسان الذي لا تقل احتياجاته النفسية والعقلية والروحية أبدا عن احتياجاته البيولوجية. تعرض الآيتين الأولى من سورة النساء و13 من سورة الحجرات لهذه الحقيقة حيث تتضمن الأولى أحكاما عن العائلة وتحدثنا عن العملية البيولوجية لتكوين الأسرة التي يشكل الذكر والأنثى نواتها: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء” (1:4). أما الآية 13 من سورة الحجرات التي تتضمن أيضا العديد من الأحكام المتعلقة بالعائلة كسورة النساء فتتناول العملية الاجتماعية التي تفرز أقواما وقبائل وهي تستأنف من المكان الذي توقفت عنده الآية الأولى من سورة النساء: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (13:49). إن العنصرين المشتركين في كلتا الآيتين هما: “إن ثنائي الذكر والأنثى يشكل نواة العائلة” و”التقوى.” يساعد العنصر الأول على البقاء البيولوجي والاجتماعي للإنسان أما الثاني فيساعد على بقائه المعنوي.

العائلة: إذا ما تداعى عنصر تهاوت باقي العناصر الأخرى

السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هنا هو التالي: أي من عنصري العائلة التي تتألف نواتها من الزوج والزوجة هو من يضمن وقوفها على قدميها؟

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا الرجوع إلى أصل كلمة عائلة. تستخدم هذه الكلمة للتعبير عن “أفراد العائلة المكلف شخص ما برعايتهم” وهي تفيد بأضيق معنى لها العلاقة بين الزوج والزوجة اللذان يستندان إلى بعضهما البعض. كما يشمل ذلك الأطفال والأقرباء الآخرين المكلف شخص ما برعايتهم بحسب درجة قرابتهم. الكلمة مشتقة من جذر عول/عائل التي تعني “الدعم والارتكاز”. ولأن أحدهما “يرتكز” على الآخر يقال للكفة العليا من الميزان عول ويقال للمأوى والمسند إعالة لأنها تدعم ما هو أدنى منها، أما الشخص الذي يعتمد عليه ويتم الحصول على دعم منه فيقال له العول. انطلاقا من هذه المعلومات عن أصل الكلمة فإن أفضل تعريف للعائلة هو التالي: “أكثر من عنصر يحصلون على دعم بعضهم، يعتمدون ويستندون على بعضهم البعض، بتداعي أحدهم ينهار الآخر.”

لا تصور هذه اللفظة، التي تعرف العائلة بأنها “سقف” مبني يحفظ تحته أفراد العائلة، الشكل الهندسي للعائلة كخطين مستقيمين متوازيين (||) بل كسقف “مثلث” (∆). في الحالة الأولى لا يستند الخطان الرئيسيان اللذان يشكلان العائلة إلى بعضهما البعض ولا يمكن لهما أن يكونا عائلة طالما أنهما لا يتساندان لأنهما يكونان أفرادا وهذا الأمر يكون كذلك حتى لو عاشا تحت سقف واحد. قد يكون بوسعهما حمل هذا السقف ولو بصعوبة لكنه لا يكون سقفا يحمي العائلة ويجعلها تقف على قدميها بل سقف يمسك ويحمي أفرادا موجودين تحته ينهار عندما يتعب الأفراد. أما في الحالة الثانية فإن الأفراد قد استحقوا أن يكونوا عائلة باستنادهم إلى بعضهم بعضا. في هذا الشكل الهندسي لا يستطيع أحد العناصر الوقوف إذا ما انهار الآخر فالرأسان الموضوعان جنبا إلى جنب ليتساندا قد أصبحا كرأس واحد أما بركتهما فهي ليست بركة رأسين بل بركة 11 رأسا وشأنهما في ذلك كشأن القدمين المرتبطين برأس واحد وانسجام العائلة متعلق بهذا الشكل الهندسي فلا تستطيع إحدى فردتي الحذاء أن تقول للأخرى “أنت بدوني لا شيء” فكلاهما يتساندان ويدعمان بعضهما كما لا تستطيع القول “أنت مدينة لي بوجودك” إذ ليس بمقدورها التحرك بشكل مستقل عن الأخرى فكلاهما يدركان أن السقف لا يمكن له البقاء مرفوعا إذا ما انفصلا عن بعضهما البعض. وهنا لا يبقى أبدا أي معنى في عقل بناه الوحي للسؤال التالي الذي يعتبر ضربا من ضروب �#1575;لعبث� “هل المرأة أعلى من الرجل أم الرجل أعلى من المرأة؟” لأنهما أزواج وكلمة زوج مفهوم قرآني يعكس معناه في الوقت ذاته مفهوم العائلة الذي يريد الوحي بناؤه. وهذه الكلمة مستخدمة في الآية الأولى من سورة النساء التي ذكرناها قبل قليل. لعل أجمل تعريف لكلمة زوج هو “كلا العنصرين اللذين يتمم بعضهما بعضا دون أن يحتل أحدهما مكان الآخر” وأجمل مثال على ذلك هي الجملة النموذجية “زوجا نعل” التي أوردها ابن منظور في كتابه لسان العرب. إن السؤال الذي طرحناه أعلاه لا يختلف عن سؤال مثل “هل القدم اليمنى خير من القدم اليسرى أم اليسرى خير من اليمنى؟” أو “هل فردة الحذاء اليمنى أفضل من اليسرى أم اليسرى أفضل من اليمنى؟”.

وبالطبع ينطبق الأمر ذاته على نقاش “المساواة” الذي يكون محقا من يقول فيه “إذا ما كانا متساويين فلتلبس القدم اليسرى فردة الحذاء اليمنى ولتلبس القدم اليمنى فردة الحذاء اليسرى!”. إن ذلك يكون إجحافا للقدم وللحذاء معا فهما “زوجان” ومحاولات مساواة بعض المتساوين ووضعهما في مرتبة واحدة لا تجعل منهما متساوين ومتماثلين ولا يمكن لها سوى أن تبعدهما عن كونهما كذلك ليصبحوا في نهاية المطاف غير متساويين وغير أزواج. أفضل تعريف في هذا الصدد هو التعريف القرآني بعضكم من بعض (195:3) الذي ورد في الآية 195 من سورة آل عمران بعد الحديث عن النساء والرجال الذين يعملون أعمالا صالحة. وقالب بعضكم من بعض لا يدل على العلو المطلق لأحد الجنسين ـ الذين يشكلان الجنس البشري ـ على الآخر بل يدل على “علو الأول في بعض النواحي عن الثاني وعلو الثاني في بعض النواحي عن الأول”. إذا ما حاولنا شرح هذا العلو عبر “الشكل الهندسي للسقف” فإن دور العنصر الذي يمثل عمود الرجل في الأسرة يتمثل بالمُعتمَد و “المستند عليه (العائل) الذي يحمي ويحرس” (قوَّام) (النساء 34). أما المرأة فهي العنصر الآخر في سقف العائلة وهي المسند (العائلة) والملاذ للرجل الذي يستند إليها والمكلف بحمايتها ورعايتها وهي مكلفة برعاية نسلها من الرجل الذي أسلمته عفتها بعقد مقدس.

المنزل، مدرسة الشخصية

قلنا بأن الشكل الهندسي للعائلة ليس عبارة عن خطين مستقيمين متوازيين وإنما مثلث يستند بعضه إلى بعض. يمثل الزوجان الضلعان المستقيمان في المثلث ويمثل الضلع الأفقي “المكان” أي “المنزل” لأن العائلة هي كون (وجود) وهي من تجليات أمر كُن وكل كون بحاجة إلى مكان ولا يمكن للعائلة أن تكون بلا مكان والمنزل “هو ذلك المكان”. يستخدم القرآن الكريم في هذا الخصوص كلمتي بيت ودار يعني جذر الأولى “مكان المبيت” أما الكلمة الثانية دار فتستخدم للدلالة على المكان الذي يدور فيه الناس ويتواجدون فيه باستمرار والذي يتمتع بجدار متين والذي يُدخل إليه ويُخرج منه ويستخدم في بعض الأحيان لأغراض اجتماعية. الخيمة هي بيت أما البناء الحجري فهو دار وكل خيمة بيت لكن وكما يفهم من عبارة “بيت الله” التي تطلق على الكعبة الشريفة ليس كل بيت خيمة. لقد استخدمت الكلمتين مع مرور الزمن مكان بعضهما وعلى الأغلب فإن أماكن مثل دار الأرقم ودار الندوة ودار الصفوة قد سميت دارا نظرا لوظائفها الاجتماعية.

على ضوء الآيتين 33 و34 من سورة الأحزاب يمكننا أن نخلص إلى نتيجة أن الوحي يدعو المرأة لتكون “متزوجة” و”ذات منزل” (

evli). وقد اكتسبت هذه الدعوة أهمية متزايدة بسبب المصائب التي جلبتها حداثة اللامنزل على الأفراد المعاصرين. إن المنزل الذي يدعو الوحي المرأة للجلوس فيه بوقارها ليس منزلا للكسل بل “منزل قرآن وحكمة” يُعلم فيه الوحي وتسوده الحكمة (33: 33 ـ 34) ومنزل كهذا هو حجاب ثان للمرأة المؤمنة وبالطبع يكون الحجاب في هذه الحالة المنزل الأول للمرأة المؤمنة. لهذا السبب فإن أمر التستر لم يكن أمر “لباس” بل أمر “سترة” فالملابس قد لا تستر في كل الأحيان فلباس يفتقر لشعور التستر سرعان ما قد يتحول بسهولة لعنصر متمم للعرض وهو ما ينبع عن عقل يرى اللباس “جلدا ثانيا”، أما عقل بناه الوحي فيرى اللباس منزلا ثانيا للمرأة يعكس شعور التستر.

لم يتجه النبي صلى الله عليه وسلم في بداية تلقيه الوحي إلى “الشارع” بل عاد إلى “المنزل” لأن المنزل هو الإجابة الشافية لسؤال “من أين يجب البدء؟” والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا بدأ من هناك. يمكن طرح السؤال ذاته على النحو التالي: ما الذي يمكن فعله عندما يمتد ظلم فرعون إلى رحم الأمهات؟” والجواب الذي يقدمه الوحي على هذا السؤال واضح: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَ(إذا ما فعلتم ذلك فحينئذ) بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (بالنصر).” (87:10) ولقد كان دار الأرقم في مكة المكرمة يعمل عمل الدار الموصوف هنا لذا لم يكن عبثا أن يطلق عليه اسم دار الإسلام وهو الذي كان من أوائل المجيبين للدعوة المحمدية (ابن سعد، الطبقات).

المنزل الذي يصفه القرآن الكريم يعتبر أساسا “مدرسة الشخصية” تكون العائلة فيها طالبة وأستاذة في نفس الوقت ومنزل كهذا يستحق أن يكون فرعا للجنة في العالم أما منزل لم يستحق أن يكون كذلك فهو مرشح لأن يكون فرعا لجهنم في العالم. تدعو الآية التالية سائر المؤمنين لحماية عائلاتهم من جهنم وهي تدعوهم في حقيقة الأمر لحماية منزلهم من أن يكون فرعا لجهنم في الدنيا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” (6:66) والرسول الكريم إنما يشرح لنا معنى هذه الآية الكريمة في حديثه الشريف: “كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته” (بخاري ومسلم).

نار وقودها الناس والحجارة�هنا يوصف منزل مع أهله والمواد المشيد منها. أن يكون الناس “وقودا” يدل على أنهم يحترقون ويحرقون شيئا آخر وإن قلبا غير مسؤول هو قلب قد تحول إلى حجر وإنسان تحول إلى حجر سيكون وقودا يحرق الحجر. وماذا يعني أن يكون الحجر وقودا؟ إذا ما خطر ببالك أيها الإنسان أن “وقود جهنم لا بد وأن ينفذ في يوم من الأيام وبأنه طالما كانت هناك حياة أبدية في الآخرة فلا بد أن يأتي يوم وينتهي فيه هذا الوقود” فتذكر أن الوقود هناك لن ينفذ دون أن تنفذ جميع الحجارة في الدنيا. إن الوضع الذي سيكون عليه في الآخرة الأشخاص الذين لا يتحملون مسؤولياتهم والذين تُحدثنا عنهم الآية 6 من سورة التحريم يجب تصوره على ضوء الآيات التالية: “يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ” (80: 34 ـ 36). لا تشير هذه الآيات الكريمة إلى أن المرأة ستفر من زوجها بل على العكس تقول بأن رب المنزل سيفر من زوجته وأطفاله أما سبب فراره فهو عدم تلبيته أمر “قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” والأشخاص الذين سيطاردونه هم أفراد عائلته الذين سيحاسبونه قائلين “لماذا لم تتحمل مسؤوليتك تجاهنا؟”. إنه سيفر من عائلته في الآخرة لأنه لم يتحمل مسؤليته تجاهها في الدنيا.

الجنة تحت أقدام الأمهات وليست تحت أقدام النساء

كل من الجنسين الذكر والأنثى كان “امرأة” و”رجلا” قبل تأسيسهما سقف العائلة وهما يصبحان “زوجا وزوجة” بعد ذلك. وعندما يؤتي هذا السقف ثمارا تتغير الصفات الرئيسية لسقف العائلة وتتقدم خŸ

There are no comments on this post.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.