ما هي الصلاة؟

مارس 19, 2010 - Leave a Response

muslim

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

مقدمة

يسمي الأتراك الصلاة في لغتهم “ناماظ” وهذه الكلمة دخلت اللغة التركية من الفارسية نيماظ التي تعني “العبادة” ويرجع السبب في ذلك إلى أن الوسط الذي تعلم فيه أوائل الترك الذين دخلوا الإسلام المصطلحات الإسلامية كان وسطا ثقافيا واقعا تحت تأثير اللغة الفارسية. والمقابل القرآني لكلمة ناماظ التركية هو صلاة.

إن كلمة صلاة هي وبحق كلمة متعددة المعاني سواء من حيث استخدامها اللغوي أو في القرآن الكريم حيث يقدر عدد المعاني التي تحملها هذه الكلمة بـ 18. ومن الطبيعي جدا أن يكون لها معان كثيرة فهذه الكلمة اكتسبت في كل محطة توقفت عندها عبر رحلة الزمن معان مختلفة ونعتقد أن هذا هو السبب في عدم تمكن جهابذة العلماء المتبحرين في علوم اللغة من الاتفاق حول تحديد معنى جذرها. لدى النظرة الأولى لكلمة صلاة نرى أنها مشتقة من جذر يحمل معان تبدو للوهلة الأولى غير ذات صلة ببعضها البعض لكن عند دراسة هذه الكلمة وإعادة تحليلها من جديد باستخدام الأدوات اللغوية المتوفرة تتحد كافة معان جذر الكلمة وتلتقي في معنى واحد مشترك يفيد “الدعم”. فمن يدعو ويطلب الاستغفار يطلب في الحقيقة الحصول على “دعم”، والعبادة هي “الدعم” الذي يقدمه الشخص لدينه وإيمانه وسأكتفي هنا بالمرور مرور الكرام على هذا الموضوع لأننا تناولناه بالتفصيل في الدراسة اللغوية التي تجدونها في عددنا هذا تحت عنوان “رحلة معاني كلمة صلاة”.

لقد استخدمت هذه الكلمة في القرآن الكريم أيضا بمعان وتوكيدات متعددة وبالتأكيد فإن أكثر معنى استخدمت فيه هو معنى الصلاة الشرعية بالإضافة إلى معان أخرى مختلفة مثل: “الدعاء والاستغفار” (التوبة 84، 103)، “العبادة” (الماعون 4)، “مكان العبادة” (الحج 40)، “الدعم” (طه 14؛ الأحزاب 43، 56؛ المائدة 12)، “الدين والتدين” (المائدة 58)، “الدعوة” (هود 87؛ المائدة 106)، “العبادة” (لقمان 31)، “التحرك بما يقتضيه هدف الخلق” (النور 41).

أطلق على الصلاة اسم صلاة لأن الإنسان يدعم بها دينه ولقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى الأساسي لهذه الكلمة في حديثه الشريف “الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين”. وإنه لمن اللافت صلة القربى بين كلمة “عماد” الواردة في الحديث الشريف وبين كلمة عمود التي هي أحد معاني كلمة صلاة والتي تأتي أيضا بمعنى عمود فقري.

إن تفسير كلمة صلاة بمعنى “الصلاة الشرعية” في كل مكان وردت فيه في القرآن الكريم تسبب بالكثير من مشاكل فهم المعنى وهذا أمر حتمي لأن الصلاة أسندت في القرآن الكريم إلى الله والملائكة والإنسان والمؤمن والكافر وكافة الموجودات بما فيها الطيور. ولعل أكبر دليل على ذلك الآية 56 من سورة الأحزاب التي ورد فيها ثلاثة فاعلين لفعل واحد (يصلون) هم الله والملائكة والمؤمنين وهو ما دفع لتفسير كلمة صلاة بثلاثة معان مختلفة. رغم أنه لم يستغرب إعطاء ثلاثة معان مختلفة لفعل واحد نظرا لوجود ثلاثة فاعلين، لم يؤخذ بعين الاعتبار احتمال أن تحمل كلمة صلاة ـ الواردة في آيات وأزمنة مختلفة والمسندة لفاعلين وأماكن متعددة ـ معان ومقاصد عدة. فلنأخذ على سبيل المثال الآية الرابعة من سورة الماعون التي تتحدث عن المشركين والآية 106 من سورة المائدة التي تتحدث عن غير المسلمين أيضا حيث أنه من القضايا الهامة تحديد ما إذا كانت كلمة صلاة الواردة في الآيتين المذكورتين تعني الصلاة الشرعية أم لا. كيف إذا يجب تفسير صلاة الطيور في الآية 41 من سورة النور؟ وما هي صلاة شعيب عليه السلام التي “تأمر” بالخير المشترك؟ نعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة وما يشابهها لا يمكن أن يتضح إلا بقبولنا أن كلمة صلاة استخدمت في القرآن الكريم بمعان مختلفة.

رموز الصلاة

الصلاة تاج كل العبادات وهي لعمري منظومة رموز لا حصر لها. رغم التعدد الكبير لتلك الرموز سنعمل بروية على تلخيص بعض الحقائق التي ترمز إليها الصلاة من خلال أركانها التالية:

1. تكبيرة البدء: التكبير في عبارة الله أكبر يعني الاعتراف بأن الله كبير وبأنه الأكبر والكبير الوحيد والكبير المطلق المنزه عما سواه. والمصلي عندما يطلق التكبير يضع العالم على راحتيه ويلقيه خلف ظهره فلا يبقى أمامه سوى طريق يمتد إلى ربه. هذا الطريق هو الصراط المستقيم.

2. القيام: يرمز لاحترام الله. والقيام هو الوقوف والانتصاب والنهوض والاستقامة وهو النصف الأول لكلمة التوحيد لا إله إلا الله إذ أنه يمثل كلمة لا إله التي تعني أنه “ليس ثمة موجود يستحق العبادة”. وهو انتفاضة على الشرك والكفر والعصيان والطغيان وهذا حال كل قيام في الصلاة. ويمثل المؤمن في قيامه الجبال التي تتغذى من أعلاها والتي تتنزل عليها غمائم الرحمة وترويها.

3. القراءة: وهي نقل القرآن الكريم إلى الصلاة. الصلاة جسد الوحي، والوحي روح الصلاة. وما يميز القراءة عن التلاوة هو “المعنى” فالجهد الذي يبذله القارئ لفهم المعنى يحّول التلاوة إلى قراءة والهدف من ذلك أن يعيشه إذ لا يمكن للمرء عيش شيء دون فهمه. الفاتحة قلب القراءة وهي كما يقول الحديث الشريف “حوار بين الله وعبده” أي أن الفاتحة تحوّل الصلاة إلى محادثة بين الله وبين العبد لذا فإن “صلاة دون فاتحة ليست صلاة”. كما يمثل القيام الجبال، تمثل القراءة غمامة الرحمة التي تغذي قلب المؤمن فالوحي رحمة وهو بيان القيام وإعلامه في ذات الوقت (بينات).

4. الركوع: ويعني الانحناء احتراما وهو المرحلة التي تلي احترام القيام. الركوع بشكل مجرد يعني الخضوع الاجتماعي أما في السجود فهو يعني الخضوع الفردي فهناك آية “وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ” ولكن ليس هناك آية واسجدوا مع الساجدين. إن الركوع هو وقفة بين القيام والسجود ففي الركوع يمثل العبد سائر المخلوقات الأخرى وهكذا فإن الصلاة هي بمثابة “تقرير عن الخلافة” يقدمه الإنسان بصعوده للحضرة الإلهية نيابة عن باقي الموجودات. والركوع يمثل مع السجود النصف الثاني من كلمة التوحيد “إلا الله” والذي يعني “الله وحده يستحق العبادة”. والركوع ينقل الحمد إلى لغة الجسد لذا فإن العبد عندما ينهض منه يقول “سمع الله لمن حمده”. وهذه العبارة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يؤم صلاة الجماعة فسمعها بدوي كان يقف خلفه للصلاة لأول مرة فبدأ يحمد الله بصوت عال وهو يقول “حمدا له حمدا جميلا أزليا مباركا، حمدا له ملئ السماوات والأرض!” ولسان حاله يقول “فلأحمد الله طالما أنه يسمعني”. وعقب انتهاء الصلاة قال نبي الله صلى الله عليه وسلم “رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول” ولقد انتقلت عبارة الحمد تلك إلى الصلاة بما فيها صلاة ذلك الأعرابي نفسه.

5. السجود: هو المرحلة الأخيرة وذروة الاحترام فالقلب الذي يخشع يدفع صاحبه أولا للوقوف ثم لحني الرأس ومن ثم للسجود في آخر المطاف. ويمثل السجود تواضع وعبودية الإنسان لله فعبر السجود يطرح الإنسان إنسانيته أرضا أمام الحضرة الإلهية. ولعل الحادثة التالية التي وقعت مطلع القرن العشرين في ألمانيا توضح تماما ما نود قوله هنا: أصاب حجر أحد عمال خطوط السكة الحديدية الألمانية في منطقة الجبهة (الفص الجبهي والفص الجداري) أثناء مرور قطار. بعد الحادث فقد ذلك العامل كافة صفاته الإنسانية وأصبحت حياته مجرد وجود بيولوجي. إن وضعنا جبيننا الذي يمثل إنسانيتنا على الأرض أمام الحضرة الإلهية هو دليل على شكرنا ربنا الذي ندين له بإنسانيتنا فالسجود يعني أن نكون قربانا لله والآية الكريمة التي تقول “وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب” (العلق 19) تشير إلى ذلك. إن السجود يعود بالإنسان إلى وضعيته النقية التي كان عليها في رحم أمه فوضعيه السجود أشبه ما تكون بوضعية الجنين.

6. الجلوس: يمثل نهاية الرحلة وهو الجزء الذي يكثر فيه الدعاء في الصلاة. إن الدعاء ليس “مخ العبادة” فقط بل هو مخ الصلاة أيضا والتحية التي يلقيها المصلي في نهاية صلاته تمثل نهاية رحلة المعراج فبإلقائنا السلام على كافة الموجودات يمينا وشمالا نقول بأننا قمنا بهذا المعراج بالنيابة عنها. إن الصلاة دليل تسليمنا، والسلام والسلامة هما جائزة تسليمنا، وتسليمنا دليل إسلامنا وبإلقاء السلام نكون قد شاطرنا سائر الوجود جائزة تسليمنا.

عمر الصلاة من عمر الإنسانية

الإسلام هو الاسم الآخر للقيم الإنسانية التي لا تتغير وبهذا المعنى يكون الإسلام مساويا للإنسانية. وكما أن الإسلام هو اسم “طريق التسليم” ـ الذي هو الدين الحق لكافة الأزمنة ـ فإن الصلاة أيضا عبادة سارية في كافة الأزمان وهذا الأمر لا ينطبق عليها فقط بل يشمل الزكاة والصوم والحج وتقديم الأضاحي أيضا. قد تكون الحقيقة المعبّر عنها بكلمة صلاة تجلت بأشكال مختلفة عبر أزمان مختلفة واختبأت وراء صور متعددة إلا أن كل عبادة تستحق أن يطلق عليها اسم صلاة في الصلوات التي نؤديها تخدم في الحقيقة الغاية ذاتها.

لقد أُمِر أتباع الديانات السابقة أيضا بالصلاة (البينة 5) وتركز الآية المذكورة على معنى العبادة على وجه الخصوص. كما أُمِر جميع الأنبياء بالصلاة (الأنبياء 73) وأمر إسماعيل عليه السلام أهله بالصلاة (مريم 55) وكانت الصلاة إحدى خمسة مواثيق أخذت من بني إسرائيل (البقرة 83). وبعد التوحيد أُمِر موسى عليه السلام بالصلاة (طه 14) ووعظ لقمان ابنه بالصلاة (لقمان 17) التي كانت أيضا أحد أمرين أُمِر بهما عيسى عليه السلام (مريم 31).

لقد جرد المشركون الصلاة من معناها وهدفها وحولوها بمكائهم وتصديتهم إلى لهو ولعب (الأنفال 35) واعتبروا السجود أمرا مهينا للكرامة فكانوا يأخذون التراب من الأرض ويضعونه على جباههم عوضا عن السجود. ولقد أمر مدعي النبوة أسود العنسي الناس بترك السجود من الصلاة وكان يقول: “إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وتقبيح أدباركم شيئاً”.

الصلاة دعاء العبد إلى لله

من معاني الصلاة أيضا الدعاء. والدعاء يعني طلب “العون والدعم” وترجيح استخدام كلمة صلاة وليس دعاء يرجع إلى ارتباط كلمة صلاة بمعنى “إقامة الدعم” أي “استنهاضه”. إن دعاء تحول إلى فعل هو دعاء تحول إلى صلاة “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ” (التوبة 103). تشير الآية الكريمة إلى أن الصدقة التي يقدمها المؤمنون هي التي تحول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة لهم لأنهم “دعموا” دعاءهم بالفعل.

يطلب العبد من الله العون مستعينا بالصبر والصلاة عندما تحل به مصيب

مقال العدد الأضحية: المثول الدائم بين يدي الحضرة الإلهية

مارس 19, 2010 - Leave a Response


مصطفى إسلام أوغلو

إطار لغوي

تحمل كلمة قربان بأوسع أشكالها معنى “الاقتراب والقرب” وهي من نفس وزن كلمات مثل قرآن وفرقان وسلطان. وصيغة فعلان تفيد المبالغة واستمرارية الوزن الذي يرجع إليه المصدر و”الامتلاء التام بكل ما يوحي به الجذر من معان إيجابية”. ولغويا تشمل كلمة قربان كافة المعاني الإيجابية لكلمة “الاقتراب”. وآخر مراحل القرب هي (الحضرة) وهكذا فإن كلمة قربان تعني “المثول الدائم بين يدي الحضرة الإلهية”.

إن كلمة “قربان” المستخدمة في اللغة التركية مقتبسة عن القرآن الكريم (المائدة 5/25؛ آل عمران 3/183). وكلمة أضحية (أضحى، أضاحي، ضحية) الواردة في عبارة “عيد الأضحى” بالإضافة إلى كلمة هدي التي تعني الأضاحي المقدمة في الحج تستخدمان بحالة مجردة. ويقال نذر لـ “ذبيحة النذر” وعقيقة لـ “ذبيحة العقيقة”. كما تستخدم في القرآن الكريم كلمات توحي بمعنى “القربان” مثل نسك، منسك، نذر، نحر، ذبح، ذبيحة.

تصب كلمة قربان من حيث المفهوم في نفس البوتقة مع العديد من المفاهيم القرآنية. وكمثال على ذلك كلمتي تبتيل (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ ! المزمل 8) التي أُمِر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية فترة نزول الوحي ـ وهي نوع من أنواع النذر ـ إلى جانب كلمة نذر التي استخدمتها والدة مريم (آل عمران 3/35). كذلك فإن كلمة نذر التي تعني النذر المؤسساتي حسب الشعائر اليهودية وكلمة تبتيل الواردة في القرآن الكريم التي تفيد النذر الفردي تعنيان تقديم العمر قربانا لله. كما أن الإنفاق والصدقة تعنيان التضحية بالثروة والوقف (أوقاف) التضحية بالمال والممتلكات غير المنقولة. وبنفس الشكل تعني الشهادة التضحية بالروح. وإذا نظرنا من نفس الزاوية يمكن اعتبار أن كلمتي ميثاق وعهد تعنيان الكون “قربانا للكلمة”.

القربان: تحذير إلهي من الدنيوية

إن الغاية من تقديم الأضاحي ليست ـ ومن كل بد ـ “قرب الله” بل “التقرب إلى الله” لهذا لم تكن الصيغة المستخدمة قرب الله التي تعني تقرب الفاعل والمفعول به معا وإنما كانت التقرب إلى الله. فالله قريب من العبد أساسا وحتى أنه أقرب إليه من حبل الوريد والمسألة هي هل العبد قريب إلى الله أم لا؟ وتقديم الأضاحي يقرب العبد أولا إلى ذاته ومن ثم إلى الله كما هو الحال في كافة العبادات.

إن تقديم الأضاحي من المال أمر ذو مغزى يحمل رسالة واضحة مفادها الحيلولة دون دخول متاع الحياة الدنيا الذي وهبه الله للإنسان حاجزا بينه وبين ربه. وتقديم الأضاحي تمرين على استخدام النعم الدنيوية التي منحها الله للإنسان من أجل التقرب إلى الله وليس الابتعاد عنه وخلاصة ذلك “تحذير الإنسان من أن يكون دنيويا” وهو يشير إلى الجزء الثاني من معضلة “مالك أم مملوك؟”. أي أن القربان يعلم الإنسان الطريق الصحيح لامتلاك الثروة دون أن يكون مملوكا لها فالإنسان لا يستطيع أن يعطي ماله عندما ينظر إليه كمالك وعندما لا يتمكن من العطاء لا يمكن له أن يكون مالكا بل مملوكا لما لديه. لكن عندما ينظر الإنسان لماله كأمانة حينها فقط يستطيع بذله، وعندما يبذل الإنسان ماله من أجل الله يتحول إلى مالك بالفعل.

كما هو الحال بالنسبة للعديد من العبادات الأخرى التي يأمرنا بها القرآن الكريم لم تظهر عبادة تقديم الأضاحي مع الدعوة المحمدية إذ نفهم من القرآن الكريم أنها شرعت أيضا للأمم السابقة “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا” (الحج 34).

إن كلمة منسك الواردة في الآية الكريمة تدل من حيث الصيغة على معان ثلاث في آن معا هي: “نحر الأضاحي، وقت النحر ومكان النحر”. إلا أن جمع كلمة نسك المشتقة من نفس الجذر والتأكيد في الآية 162 من سورة الأنعام على أنها تفيد معنى “العبادة” يظهر أن عبادة تقدم الأضاحي تعتبر من الناحية التاريخية بمثابة “أم” العبادات.

وهذا ما تأكده قصة ابني آدم التي ترويها لنا سورة المائدة (الآية 27). فابني آدم المعروفين باسم قابيل وهابيل (أو ضمنيا: “أي شخصين من بني آدم”) قدما قربان لله. ويخبرنا سفر التكوين في التوراة (4: 1-8) أن هابيل الذي كان يعمل بتربية المواشي قدم قربانه من مواشيه وقد تُقبل منه، أما قربان قابيل الذي كان يعمل بالزراعة فلم يُتقبل منه. والسبب في ذلك لم يكن اشتغال قابيل بالزراعة أو تقديمه قربانه من المحاصيل الزراعية وإنما كان أنه قدم قربانا من أسوأ ما عنده. وهذا الانحراف العاطفي والشعور المسموم الذي انتهى بأن أصبح قابيل قاتلا لأخيه لم يكن اسمه “الغيرة” أو “البخل” بل “حب الدنيا”. ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الانحراف العاطفي في الحديث الشريف التالي: “حب الدنيا رأس كل خطيئة”.

إن الحديث عن عبادة تقديم الأضاحي ترتبط في القرآن الكريم على الدوام بعبادة الحج لأن تقديم الأضاحي كان ومنذ زمن إبراهيم عليه السلام جزءا من الحج وجاء الحديث عن هذه العبادة بشكل مجرد في الآية الأخيرة من سورة الكوثر. إلا أن هذه الآية لا تأمر “بنحر الأضاحي” فقط بل تأمر بأن تكون كل القرابين والصلوات “من أجل الله”. رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج يوما إلا أنه كان ينحر الأضاحي وكان يوصي أمته باتباع هذه السنة. قد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد رمى من وراء ذلك لعدة أمور لا بد أن في مقدمتها جعل المؤمنين يشعرون ببهجة مناسك الحج عبر تقديمهم الأضاحي.

رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يضحي بابنه الوحيد الذي رزق به في آخر حياته ويقول القرآن الكريم مخاطبا إبراهيم “قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا” (الصافات 37/105) إذ عمل إبراهيم عليه السلام على تنفيذ ما رآه في منامه وأثبت استعداده التضحية بابنه الوحيد إسماعيل الذي كان يحبه حبا جما من أجل الله. ويفسر بعض أتباع المدرسة العرفانية كلمة تصديق الواردة في الآية الكريمة تفسيرا طريفا كما يلي: “يا إبراهيم! لقد صدقت الرؤيا (في حين كان عليك تفسيرها)”!. وفي النهاية فإن النتيجة هي ذاتها أي: إن الطريق للتضحية بإسماعيل ليست “النحر” وإنما “النذر”.

إذا ما كانت غاية عبادة تقديم الأضاحي تحذير المؤمنين من خطر الدنيوية فإن حكمتها أيضا تكمن بمراعاة “مراتب الوجود” التي عينها الله وحددها لمخلوقاته.

تقديم الأضاحي يعلم مراتب الوجود

ثلاث أشياء تُتحرى في العبادات هي: العلة والمصلحة والحكمة.

ترتبط العلل بأسباب العبادات، والمصالح بالمنافع، أما الحكم فهي مرتبطة بالغايات.

من غير الممكن أن تكون العبادة بلا حكمة لأن:

1. الله لا يعمل عبثا والإنسان أيضا. كما أن الأوامر والنواهي المفروضة على الإنسان ليست عبثا هي الأخرى: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا” (المؤمنون 23/115).

2. إن النيات هي ما يجعل العبادة عبادة. والنية هي حالة وعي لذا فهي بالتالي حالة هدف ومغزى ولا يمكن الحديث عن نية في موضع ينعدم فيه المعنى والهدف. وهذا الأمر ينطبق على عبادة تقديم الأضاحي أيضا والنية تظهر “أقصى غاية” لعبادة ما.

أحيانا تختلط الحكم بالعلل وأحيانا أخرى بالمصالح إلا أنها متعلقة بالغايات لأن الحكمة هي “إحكام” أو “حكم” يتم التوصل له عن طريق “المحاكمة”. والآيات التي تتحدث عن إنزال “كتب وحكمة” على الأنبياء نتيجة قراءة تتم بالاستقراء تدلل على محاكمة من شأنها تحويل الكتاب إلى حياة. إن حكمة عبادة ما تعني “ربطها” بمكان ما في الحياة أي اكتشاف معناها وهدفها وتحديد الدور الذي تلعبه في “ما خلق له” الإنسان.

تعرف حكمة العبادات أحيانا عن طريق قرائن الحال والدلالات الصريحة والضمنية للنصوص التي تأمر بها، كما يمكن معرفتها في أحيان أخرى بطريق المحاكمة والاستقراء. لقد وردت حكمة عبادة تقديم الأضاحي بشكل مندمج في الآيتين 36 و37 من سورة الحج وهو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي يفسر هدف تقديم الأضاحي:

“وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ /…/ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

“لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ(أيها النبي) الْمُحْسِنِينَ (برضا الله)” (الحج 22/36-37).

تظهر هاتان الآيتان ضرورة البحث عن البعد المعنوي لحكمة تقديم الأضاحي بعيدا عن العناصر المادية كلحومها ودمائها أو منافعها الاجتماعية والاقتصادية.

ثمة عبارتان في الآيتين المذكورتين تساعداننا على معرفة حكمة تقديم الأضاحي هما: ” كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ” الواردة في نهاية الآية 36، و ” كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ” الواردة في وسط الآية 37.

يكمن في التسخير سر أكرمية الإنسان فهو الذي يظهر تكريمه على سائر المخلوقات. إن الوظيفة اللغوية لحرف اللام الواردة في الآيتين الكريمتين تفيد معنى “التسخير لأمر الإنسان” بالإضافة إلى معنى “الخلق لتكون تحت إمرة الإنسان”. وبعبارة أخرى فإن تسخير شيء ما للإنسان يعني أن الله قد كتب على ذلك الشيء أنه “مخصص لخدمة الإنسان”. وكما يحدثنا القرآن الكريم فإن الله سخر الأنهار والنجوم والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأرض وكل ما في السماء والطيور والسحاب لخدمة الإنسان. والحيوانات التي تقدم كأضاحي هي بدورها من بين ما سخر لخدمة الإنسان. إن الحكمة من تقديم الأضاحي تكمن في اسم الإشارة كذلك الذي يعني ضمنيا “لقد شرعنا نحر الأضاحي كي نبين ما سخرناه”.

يدل التسخير من حيث المفهوم على “مراتب الوجود” وتذكير القرآن الكريم بالتسخير يهدف بشكل غير مباشر للقضاء على الشرك، كما يهدف بشكل مباشر إلى لفت النظر لمراتب الوجود.

حرم الله تعالى الشرك لأنه يضر بالإنسان وليس لأنه يضر بجلالته فالشرك يذوي بالإنسان الذي خلق ليكون فاعلا ويجعله مفعولا به أمام الأشياء وكل شرك يكون نتيجة نسيان الإنسان مكانته في مراتب الخلق الإلهي.

الهدف الأساسي للتسخير هو لفت النظر لمراتب الوجود والتصور بأنه ليس في الوجود مراتب يعني في واقع الأمر اعتبار أن الخالق يخلق بالصدفة. وتصور مادي من هذا النوع لا ينتهي به المطاف إلى العدمية الأخلاقية فقط بل يؤدي لعدم معرفة الإنسان قيمته وحدَّه وبالتالي ينتهي الأمر بفناء الإنسان والإنسانية، وهذه حقيقة. يخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان هو “أحسن المخلوقات” وهذا بحد ذاته دليل واضح على مراتب الوجود في الخلق الإلهي.

في كل مرة أخل بها الإنسان بمراتب الوجود وقع في ورطة. فعدم مراعاة مراتب الوجود يكمن في أساس كل الانحرافات التي تنتهي بإيجاد قدسيات زائفة وعند الإخلال بهذه المراتب يصبح القربان هو الإنسان. لهذا السبب فإن تقديم الأضاحي يعلم الإنسان قيمته أمام الأشياء وليس فقط حدوده أمام الله.

لنستذكر العناصر التي يؤكد القرآن الكريم تسخيرها لبني آدم: النجوم والشمس والقمر والمحيطات والأنهار والليل والحيوان… لقد شعر بني آدم بعجزه أمام بعض هذه العناصر وهذا الإحساس بالعجز تزايد إلى أن بات خوفا، والخوف بات تعظيما، والتعظيم تقديسا، والتقديس تحول إلى عبادة. ولنتذكر بأن الأقوام القديمة عبدت الشمس والقمر والنجوم والبحر والنهر. فعلى سبيل المثال كان المصريون القدماء يعبدون “إله الشمس” والسومريون القمر والأوريين النجوم. وكان تقديس المصريين للنيل من هذا الباب أيضا إذ كانوا يقدمون له قربانا فتاة بكرا في كل عام. وكان هذا الحال ساريا أيضا بالنسبة لليل الذي يخبرنا القرآن أنه هو بدوره مسخر للإنسان، فقد بدأ إنسان الجاهلية يتصور الليل وكأنه “إله الشر” إلا أن قسم القرآن الكريم به يعني أن الليل أيضا تحت إمرة الله.

من بين العناصر التي يخبرنا القرآن الكريم أنها مسخرة للإنسان الطيور والحيوانات البرية والد

761

الإنفاق ترياق النفاق

مارس 19, 2010 - Leave a Response

الافتتاحي المقال

الإنفاق ترياق النفاق

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

الثروة أمانة وليست ملكية

ثلاثة أشياء فقط أمرنا بها القرآن الكريم مشترطا أن تكون “في سبيل الله تعالى” وهي: الجهاد والهجرة والإنفاق. وهذا الشرط إذ يجعل من الإنفاق جهادا معنويا من جهة، يجعل منه من جهة أخرى هجرة من المتاع إلى النعيم. والمتاع هو ما ليس بالدائم أو الثابت أو الكامل على النقيض تماما من النعيم الذي هو النعمة الدائمة الثابتة الكاملة أي الجنة.

إن كلمة إنفاق مشتقة من جذر نفقة الذي يعني “ما خرج من اليد وانتهى ونفذ”. إن الإنفاق اصطلاحا يعني “تقاسم شيء نافع دون مقابل مع شخص يحتاجه”. وكون هذا الفعل (إنفاق) متعديا يعني أن هذه العبادة لا يمكن لها أن تتحقق دون وجود �#1570;خر�

تطلق كلمة زكاة على ما هو فرض من الإنفاق والمعنى الأول لهذه الكلمة هو “الزيادة والتكاثر” أما معناها الثاني فهو “التطهير والتنقية”. وتعني الزكاة في المفهوم القرآني “المبلغ الذي يتوجب دفعه للزيادة والتطهير”. وفق الحسابات المنطقية فإن 40-1=39 أما بحسابات الإيمان فإن 40-1=400 فزيادة مال الزكاة لهو أشبه بدالية العنب التي تزداد امتدادا عند تقليمها وهذه الزيادة هي زيادة الفاكهة وهو ما يقال له “البركة”. وما نفل من الإنفاق يطلق عليه اسم صدقة والصدقة تعني “النزاهة والاستقامة والأمانة” وقد أطلق هذا الاسم بالأساس لأن الشخص لا ينظر لأمانة الثروة التي وهبها الله له “كملكية” وإنما “كأمانة” يتقاسمها مع الآخرين لأن تقاسم الثروة وفاء للأمانة أما تجميعها والشح بها فهو خيانة لها. يطلق اسم صدقة الفطر على الإنفاق المتعلق بشهر رمضان الكريم وصدقة الفطر أطلق عليها هذا الاسم لأنها إنفاق عن “وجود” الإنسان سواء كان غنيا أو فقيرا. أما ما ينفق من المال فقط فيطلق عليه اسم خير والقرآن الكريم يطلق هذه التسمية “خير” على الثروة مما يعني أنه يرى الثروة بأساسها “خيرا” على العكس من التعاليم الصوفية القديمة وفكر الزهد الهندي التي تريها شرا بأساسها.

إن الطريق لفهم وهضم معنى الإنفاق يمر عبر تصور للثروة يبنيه الوحي، والعقيدة التي يستند إليها هذا التصور هي عقيدة التوحيد. فالإجابة التي يقدمها القرآن الكريم في أكثر من موضع على سؤال “لمن الملك؟” واضحة: الملك لله. وماذا يجب أن يقال إذا عن حصة الإنسان من الملك؟ إن الحقيقة هي أن هذه الحصة قد أعطيت للإنسان على سبيل الأمانة لأن الإنسان أرسل إلى هذا العالم ليكون شاهدا عليه وليس ليتملكه لذا يجب جعل الثروة شاهدا على الإيمان وهذا يتحقق بالنظر إليها كأمانة وليس كملكية. إن القرآن الكريم يستبعد التطرف في اتجاهين فيما يخص الثروة: الاتجاه الأول هو الرأسمالية الغربية التي ترتكز على مفهوم “الملكية المطلقة”، والاتجاه الثاني هو فكر الزهد السائد في الشرق الذي ينظر إلى العالم كذنب. إن الاشتراكية التي ترى الثروة ملك للمجتمع وليس للفرد تلتقي في جوهرها مع الرأسمالية في نفس البوتقة في نظرتها إلى الثروة. والبوتقة التي يلتقيان فيها هي فكرة أن الثروة ملكية وليست أمانة. والنقاش حول “هل الثروة ملك للفرد أم للمجتمع؟” هو نقاش ثانوي فمنزل الوحي لا يرضى بتحويل الثروة للدولة عبر تمركزها بأيدي البعض (الحشر7). إن رغبة النهب جعلت من الإنسان “مُلكا للثروة” وليس مالكا لها ومن هو ملك للثروة لا يمكن أن تكون له ثروة لأنه لم يبقى هناك فاعل يمكن أن يقال عنه بأنه “مالك”. ولعل أفضل مثال على ذلك هو قارون الذي يسوقه لنا القرآن الكريم كمثال عن مصير من ينظر للثروة كملكية وليس كأمانة (القصص 76-84).

يرفض القرآن الكريم موقف بعض التعاليم الصوفية وفكر الزهد الهندي الذي يرى في العالم والدنيوية “ذنبا وقذارة” وما إلى ذلك وهو يعلمنا هذا الدعاء الذي يرشدنا لدرب الاعتدال في الثروة: “رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً” (البقرة 201).

وهذا التصور المعتدل عن الثروة يعبر عنه المثل (التركي) القائل “اليد في الربح والفؤاد عند الحبيب”. لهذا السبب كان الواصلون إلى كنه الأمر يدعون: “إلهي! إملاء يدي وأفرغ قلبي!” وهذا قد يتناقض مع الحديث الشريف “الفقر فخري” إلا أن التعريف التالي للفقر يصل إلى جوهر المسألة: “إن الفقر ليس ألا تملك شيئا وإنما ألا تسمح لأي شيء بامتلاكك حتى وإن ملكت العالم”. وهذا التعريف ينسب إلى الجنيد (وغيره كثير آخرون) وهو من كبار طلبة حارث المحاسبي صاحب القول الرائع “العقل هو القرآن والقرآن هو العقل”. إن الدنيا هي ـ حسب القرآن الكريم ـ بوتقة الصهر التي تميز جوهر الإنسان عن غثائه. والفتنة تعني ذلك تماما.

هناك جناحان لرقي العبد (معراجه): الأول هو الصلاة التي تمثل بعده الممتد من العبد إلى الله والثاني هو الإنفاق الذي يمثل البعد الممتد من العبد إلى العباد. وهذان الجناحان المزدوجان يُعَّرفان على أفضل وجه بسورة الماعون. كما تحدثنا الآية التالية أيضا عن هذه الحقيقة: “وَالْمُقِيمِين الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” (الحج 35).

تناقض و تقابل الإنفاق والنفاق

هنا يجب أولا طرح السؤال التالي: إذا ما كان الإيمان هو ما يميز الكافر من المؤمن فما الذي يميز المؤمن من المنافق؟

إن أقصر إجابة على هذا السؤال هي تلك التي يقدمها لنا القرآن الكريم: “الإنفاق”. أجل إن الإنفاق هو ما يميز المؤمن عن المنافق وإنه لمن التوافق الغريب أن تكون كلمتي إنفاق ونفاق مشتقتان من الجذر نفسه فالأمر المشترك بينهما هو كونهما فعلان مزيدان. فهما وإن كانا من بابين مختلفين إلا أن ثمة معنى يجمعهما فكليهما يعنيان “نفق تحت الأرض له فتحتين عند طرفيه” ولهذا السبب يطلق على “المترو” اسم مترو الأنفاق في الغة العربية الحديثة. وفي كلمة أنفاق دلالة لغوية تشير إلى العالمين وهي توحي تماما بإرسال أشياء عبر نفق مفتوح طرفه الأول على الدنيا وطرفه الثاني على الآخرة. والشخص الذي ينفق هو في الحقيقة يرسل أشياء إلى حسابه في الآخرة وإن كان يبدو أنه يفقد ما ينفقه. أما في النفاق فإنه يعنى أن الشخص “ذو وجهين”. فالمنافق كائن ضار أشبه ما يكون بحيوان الخلد الذي لا تعرف من أين سيحفر ولا من أين سيخرج فهو يدخل من ثقب ويخرج من آخر ولا تستطيع أن تدري من أيهما دخل ولا من أيهما خرج فهو يبدو في الظاهر أنه دخل الإسلام إلا أنه في باطنه لا يكون قد دخل أو ربما قد خرج منذ أمد بعيد.

باختصار إن كلمتي إنفاق ونفاق وإن كانا يشتركان بالجذر نفسه إلا أن المعنيان اللذان يدللان عليهما متناقضان. فالنفاق يعني الازدواجية أما الإنفاق فيعني العالمين وأهل النفاق لا ينفقون لأنهم لا يرون سوى عالم واحد فحتى يتم الإنفاق يجب أن يقر في قلب من ينفق بأنه سيحصل على مقابله في الآخرة وأساسا إن قرَّ هذا الأمر في قلب الشخص فإنه لا يكون منافقا. وأهل الإنفاق لهم وجه واحد لأنهم يرون عالمين وهم يؤمنون تمام الإيمان بأن ما يعطونه رضاء لله لن تضيع منه ذرة واحدة.

إن أحد المواطن التي يتطرق فيها القرآن الكريم لنقيضي الإنفاق والنفاق هي سورة التوبة من الآية 38 إلى الآية 60. فمباشرة بعد هذه الآيات التي تتحدث عن بعض أنواع النفاق يبدأ الحديث عن الإنفاق وتخاطب الآيات الكريمة المنافقين: “”قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ”. وتشرح الآية التي تليها العائق الحقيقي الذي يحول دون قبول إنفاق المنافقين: “وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ“. (التوبة 53-54).

إن ما يفهم من الآية 54 من سورة التوبة أن المنافقين لا “ينفقون” أبدا طوعا والحقيقة أن صبغة الإنفاق تظهر للعيان لونهم الحقيقي فهم يحاولون خداع المؤمنين بطلاء كفرهم بصبغة الإيمان المزيف والله يكشط بالإنفاق هذا الطلاء المزيف الذي يطلون به كفرهم.

تعالج سورة المنافقين بأفضل شكل نقيضي الإنفاق والنفاق فكما هو واضح من اسمها أيضا تبدأ السورة بالحديث عن المنافقين وتنتهي بالحديث عن الأمر بالإنفاق وهو ما يدل على أن الإنفاق ترياق النفاق. كما يظهر التناقض بين الإنفاق والنفاق بنفس الوضوح في سورة الحديد من الآية 11 إلى الآية 15.

تناقض و تقابل الربا ـ الإنفاق / الزكاة

إن وحي القرآن يؤسس علاقة عكسية بين منع الربا (الفائدة) ونوع الزكاة التي هي دين في رقبة المكلفين بالإنفاق لأن نظاما اقتصاديا يمنع الفائدة ليس بوسعه تأسيس العدالة الاقتصادية التي يرمي إليها دون فرض الزكاة. فكما أن تحريم الفائدة يمثل النفي لا إله في كلمة التوحيد، فإن أمر الزكاة يمثل الإثبات إلا الله وهو ما لا يستغنى عنه لكليهما.

وردت عملية تحريم الفائدة لأول مرة في الآية 130 من سورة آل عمران التي أنزلت بعد غزوة أحد لأن الربا كانت من الأسباب الخفية للهزيمة في تلك الغزوة فرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بعدم مغادرة أماكنهم أبدا وكان لبلاء الفائدة دور في ترك أغلبيتهم الساحقة أماكنهم. وفي الآيات التالية من السورة المذكورة يؤمر المؤمنون بالتسابق فيما بينهم في عمل الخيرات عوضا عن التسابق في الفائدة أي في زيادة الأموال (الآية 133). وبعد ذلك تأتي الآية التالية المتعلقة بالإنفاق:

“الَّذِينَ (المتقون) يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ” (آل عمران 134).

إن الذين لا ينفقون في الضراء لا ينفقون في السراء أبدا. ورسالة الآيات التي تورد تحريم الربا وأمر الإنفاق/الزكاة إلى جانب بعضهما البعض جلي: عندما يكون بأيديكم ثروة فائضة فكروا بزيادتها عبر الإنفاق والزكاة وليس بالفائدة لأن الربا (الفائدة) التي تعني “الزيادة” تزيد من مقدار الثروة إلا أنها تقتل روحها أي بركتها. والثروة الحية تحمل مالكها على ظهرها أما مالك الثروة الميتة فإنه يحمل ثروته على ظهره. وعلى نقيض الربا فإن الزكاة ـ التي تعني “الزيادة” بالنظر إلى أساس الكلمة ـ وإن بدت تنقص من مقدار المال إلا أنها في حقيقة الأمر تزيد من بركته.

التدرج في الإنفاق

لقد اتبع القرآن الكريم في تكليف الإنفاق ـ كما هو الحال بالنسبة لكافة الأحكام الأخرى ـ أسلوبا تدريجيا إلا أن مبدأ التدرج فيما يخص مسألة الإنفاق اتبع عملية عكسية تماما بالنسبة للأمور الأخرى. ففي العديد من الأحكام كأمر ال&#

العائلة: نواة الوحدة

مارس 19, 2010 - Leave a Response

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

يشكل التوحيد العمود الفقري للعقيدة الإسلامية وما يتمثل بالتوحيد على صعيد العقيدة يتمثل بالوحدة على الصعيد الاجتماعي. ومن هنا يمكننا القول بأن “التوحيد هو الوحدة العقائدية، وبأن الوحدة هي التوحيد الاجتماعي”. إن “الوحدة” فيما يخص علاقة العبد بالله تعني (التوحيد)، والتوحيد فيما يخص علاقة العبد بالعبد يعني “الوحدة“. تتجلى فكرة الوحدة لدى المؤمن كتعبير عن عقيدة التوحيد، والمؤسسة التي نطلق عليها اسم عائلة هي وحدة لأن تأسيس عائلة يكون باجتماع جنسين خلقا لبعضهما البعض.

إن النوع (الذكر والأنثى) موجود في أصل جميع الكائنات القادرة على التكاثر ويرجع أصل هذا الأمر لقانون القطبية المزدوجة الذي يخضع له عالم جميع المخلوقات. كل ما هو فرد خالق وكل ما هو ثنائي مخلوق. وبالنظر إلى قاعدة الخلق هذه فإن تأسيس عائلة يعني القبول بالكون مخلوقا والتسليم لهدف الخلق (ما خلق له). واحترام الخلق والفطرة يستوجب ذلك والحديث النبوي الشريف “الزواج سنتي ومن رغب عن سنتي ليس مني” يعبر في صميمه عن هذه الحقيقة فأكثر الناس من بين أفراد البشرية احتراما للخلق والفطرة هم الأنبياء الشخصيات الرائدة للإنسانية. وكلمة “سنتي” الواردة في الحديث الشريف تعني من كل بد “السنة الفطرية التي أتبع لها أنا أيضا”.

لا يمكن تصور عدم وجود مؤسسة العائلة التي تعتبر ضرورة للخلق والفطرة، إذ أنه من غير الممكن في هذه الحالة الحديث أيضا عن حياة اجتماعية للإنسان بل وحتى عن بقائه لأنه لن يكون ممكنا استمرار نسله. لكن في الوقت ذاته لا يمكن تقليص استمرار النسل لعملية التكاثر الجنسي فقط فالإنسان ـ وكما يدل عليه اسمه ـ لا يستحق أن يطلق عليه اسم إنسان إلا عندما يؤسس أواصر الأنس مع الآخر ولا يمكن أن ينتسب لما هو “أنسي” إلا عندما يبتعد عما هو “وحشي” ويكون مستأنسا لأن الإنسان مخلوق اجتماعي وحاجته لرعاية واهتمام الوالدين لا تمكن مقارنتها بحاجة أي مخلوق آخر. فالرعاية والعناية اللتان تعتبران حاجة للمخلوقات الأخرى هما ضرورة بالنسبة للإنسان الذي لا تقل احتياجاته النفسية والعقلية والروحية أبدا عن احتياجاته البيولوجية. تعرض الآيتين الأولى من سورة النساء و13 من سورة الحجرات لهذه الحقيقة حيث تتضمن الأولى أحكاما عن العائلة وتحدثنا عن العملية البيولوجية لتكوين الأسرة التي يشكل الذكر والأنثى نواتها: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء” (1:4). أما الآية 13 من سورة الحجرات التي تتضمن أيضا العديد من الأحكام المتعلقة بالعائلة كسورة النساء فتتناول العملية الاجتماعية التي تفرز أقواما وقبائل وهي تستأنف من المكان الذي توقفت عنده الآية الأولى من سورة النساء: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (13:49). إن العنصرين المشتركين في كلتا الآيتين هما: “إن ثنائي الذكر والأنثى يشكل نواة العائلة” و”التقوى.” يساعد العنصر الأول على البقاء البيولوجي والاجتماعي للإنسان أما الثاني فيساعد على بقائه المعنوي.

العائلة: إذا ما تداعى عنصر تهاوت باقي العناصر الأخرى

السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هنا هو التالي: أي من عنصري العائلة التي تتألف نواتها من الزوج والزوجة هو من يضمن وقوفها على قدميها؟

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا الرجوع إلى أصل كلمة عائلة. تستخدم هذه الكلمة للتعبير عن “أفراد العائلة المكلف شخص ما برعايتهم” وهي تفيد بأضيق معنى لها العلاقة بين الزوج والزوجة اللذان يستندان إلى بعضهما البعض. كما يشمل ذلك الأطفال والأقرباء الآخرين المكلف شخص ما برعايتهم بحسب درجة قرابتهم. الكلمة مشتقة من جذر عول/عائل التي تعني “الدعم والارتكاز”. ولأن أحدهما “يرتكز” على الآخر يقال للكفة العليا من الميزان عول ويقال للمأوى والمسند إعالة لأنها تدعم ما هو أدنى منها، أما الشخص الذي يعتمد عليه ويتم الحصول على دعم منه فيقال له العول. انطلاقا من هذه المعلومات عن أصل الكلمة فإن أفضل تعريف للعائلة هو التالي: “أكثر من عنصر يحصلون على دعم بعضهم، يعتمدون ويستندون على بعضهم البعض، بتداعي أحدهم ينهار الآخر.”

لا تصور هذه اللفظة، التي تعرف العائلة بأنها “سقف” مبني يحفظ تحته أفراد العائلة، الشكل الهندسي للعائلة كخطين مستقيمين متوازيين (||) بل كسقف “مثلث” (∆). في الحالة الأولى لا يستند الخطان الرئيسيان اللذان يشكلان العائلة إلى بعضهما البعض ولا يمكن لهما أن يكونا عائلة طالما أنهما لا يتساندان لأنهما يكونان أفرادا وهذا الأمر يكون كذلك حتى لو عاشا تحت سقف واحد. قد يكون بوسعهما حمل هذا السقف ولو بصعوبة لكنه لا يكون سقفا يحمي العائلة ويجعلها تقف على قدميها بل سقف يمسك ويحمي أفرادا موجودين تحته ينهار عندما يتعب الأفراد. أما في الحالة الثانية فإن الأفراد قد استحقوا أن يكونوا عائلة باستنادهم إلى بعضهم بعضا. في هذا الشكل الهندسي لا يستطيع أحد العناصر الوقوف إذا ما انهار الآخر فالرأسان الموضوعان جنبا إلى جنب ليتساندا قد أصبحا كرأس واحد أما بركتهما فهي ليست بركة رأسين بل بركة 11 رأسا وشأنهما في ذلك كشأن القدمين المرتبطين برأس واحد وانسجام العائلة متعلق بهذا الشكل الهندسي فلا تستطيع إحدى فردتي الحذاء أن تقول للأخرى “أنت بدوني لا شيء” فكلاهما يتساندان ويدعمان بعضهما كما لا تستطيع القول “أنت مدينة لي بوجودك” إذ ليس بمقدورها التحرك بشكل مستقل عن الأخرى فكلاهما يدركان أن السقف لا يمكن له البقاء مرفوعا إذا ما انفصلا عن بعضهما البعض. وهنا لا يبقى أبدا أي معنى في عقل بناه الوحي للسؤال التالي الذي يعتبر ضربا من ضروب �#1575;لعبث� “هل المرأة أعلى من الرجل أم الرجل أعلى من المرأة؟” لأنهما أزواج وكلمة زوج مفهوم قرآني يعكس معناه في الوقت ذاته مفهوم العائلة الذي يريد الوحي بناؤه. وهذه الكلمة مستخدمة في الآية الأولى من سورة النساء التي ذكرناها قبل قليل. لعل أجمل تعريف لكلمة زوج هو “كلا العنصرين اللذين يتمم بعضهما بعضا دون أن يحتل أحدهما مكان الآخر” وأجمل مثال على ذلك هي الجملة النموذجية “زوجا نعل” التي أوردها ابن منظور في كتابه لسان العرب. إن السؤال الذي طرحناه أعلاه لا يختلف عن سؤال مثل “هل القدم اليمنى خير من القدم اليسرى أم اليسرى خير من اليمنى؟” أو “هل فردة الحذاء اليمنى أفضل من اليسرى أم اليسرى أفضل من اليمنى؟”.

وبالطبع ينطبق الأمر ذاته على نقاش “المساواة” الذي يكون محقا من يقول فيه “إذا ما كانا متساويين فلتلبس القدم اليسرى فردة الحذاء اليمنى ولتلبس القدم اليمنى فردة الحذاء اليسرى!”. إن ذلك يكون إجحافا للقدم وللحذاء معا فهما “زوجان” ومحاولات مساواة بعض المتساوين ووضعهما في مرتبة واحدة لا تجعل منهما متساوين ومتماثلين ولا يمكن لها سوى أن تبعدهما عن كونهما كذلك ليصبحوا في نهاية المطاف غير متساويين وغير أزواج. أفضل تعريف في هذا الصدد هو التعريف القرآني بعضكم من بعض (195:3) الذي ورد في الآية 195 من سورة آل عمران بعد الحديث عن النساء والرجال الذين يعملون أعمالا صالحة. وقالب بعضكم من بعض لا يدل على العلو المطلق لأحد الجنسين ـ الذين يشكلان الجنس البشري ـ على الآخر بل يدل على “علو الأول في بعض النواحي عن الثاني وعلو الثاني في بعض النواحي عن الأول”. إذا ما حاولنا شرح هذا العلو عبر “الشكل الهندسي للسقف” فإن دور العنصر الذي يمثل عمود الرجل في الأسرة يتمثل بالمُعتمَد و “المستند عليه (العائل) الذي يحمي ويحرس” (قوَّام) (النساء 34). أما المرأة فهي العنصر الآخر في سقف العائلة وهي المسند (العائلة) والملاذ للرجل الذي يستند إليها والمكلف بحمايتها ورعايتها وهي مكلفة برعاية نسلها من الرجل الذي أسلمته عفتها بعقد مقدس.

المنزل، مدرسة الشخصية

قلنا بأن الشكل الهندسي للعائلة ليس عبارة عن خطين مستقيمين متوازيين وإنما مثلث يستند بعضه إلى بعض. يمثل الزوجان الضلعان المستقيمان في المثلث ويمثل الضلع الأفقي “المكان” أي “المنزل” لأن العائلة هي كون (وجود) وهي من تجليات أمر كُن وكل كون بحاجة إلى مكان ولا يمكن للعائلة أن تكون بلا مكان والمنزل “هو ذلك المكان”. يستخدم القرآن الكريم في هذا الخصوص كلمتي بيت ودار يعني جذر الأولى “مكان المبيت” أما الكلمة الثانية دار فتستخدم للدلالة على المكان الذي يدور فيه الناس ويتواجدون فيه باستمرار والذي يتمتع بجدار متين والذي يُدخل إليه ويُخرج منه ويستخدم في بعض الأحيان لأغراض اجتماعية. الخيمة هي بيت أما البناء الحجري فهو دار وكل خيمة بيت لكن وكما يفهم من عبارة “بيت الله” التي تطلق على الكعبة الشريفة ليس كل بيت خيمة. لقد استخدمت الكلمتين مع مرور الزمن مكان بعضهما وعلى الأغلب فإن أماكن مثل دار الأرقم ودار الندوة ودار الصفوة قد سميت دارا نظرا لوظائفها الاجتماعية.

على ضوء الآيتين 33 و34 من سورة الأحزاب يمكننا أن نخلص إلى نتيجة أن الوحي يدعو المرأة لتكون “متزوجة” و”ذات منزل” (

evli). وقد اكتسبت هذه الدعوة أهمية متزايدة بسبب المصائب التي جلبتها حداثة اللامنزل على الأفراد المعاصرين. إن المنزل الذي يدعو الوحي المرأة للجلوس فيه بوقارها ليس منزلا للكسل بل “منزل قرآن وحكمة” يُعلم فيه الوحي وتسوده الحكمة (33: 33 ـ 34) ومنزل كهذا هو حجاب ثان للمرأة المؤمنة وبالطبع يكون الحجاب في هذه الحالة المنزل الأول للمرأة المؤمنة. لهذا السبب فإن أمر التستر لم يكن أمر “لباس” بل أمر “سترة” فالملابس قد لا تستر في كل الأحيان فلباس يفتقر لشعور التستر سرعان ما قد يتحول بسهولة لعنصر متمم للعرض وهو ما ينبع عن عقل يرى اللباس “جلدا ثانيا”، أما عقل بناه الوحي فيرى اللباس منزلا ثانيا للمرأة يعكس شعور التستر.

لم يتجه النبي صلى الله عليه وسلم في بداية تلقيه الوحي إلى “الشارع” بل عاد إلى “المنزل” لأن المنزل هو الإجابة الشافية لسؤال “من أين يجب البدء؟” والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا بدأ من هناك. يمكن طرح السؤال ذاته على النحو التالي: ما الذي يمكن فعله عندما يمتد ظلم فرعون إلى رحم الأمهات؟” والجواب الذي يقدمه الوحي على هذا السؤال واضح: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَ(إذا ما فعلتم ذلك فحينئذ) بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (بالنصر).” (87:10) ولقد كان دار الأرقم في مكة المكرمة يعمل عمل الدار الموصوف هنا لذا لم يكن عبثا أن يطلق عليه اسم دار الإسلام وهو الذي كان من أوائل المجيبين للدعوة المحمدية (ابن سعد، الطبقات).

المنزل الذي يصفه القرآن الكريم يعتبر أساسا “مدرسة الشخصية” تكون العائلة فيها طالبة وأستاذة في نفس الوقت ومنزل كهذا يستحق أن يكون فرعا للجنة في العالم أما منزل لم يستحق أن يكون كذلك فهو مرشح لأن يكون فرعا لجهنم في العالم. تدعو الآية التالية سائر المؤمنين لحماية عائلاتهم من جهنم وهي تدعوهم في حقيقة الأمر لحماية منزلهم من أن يكون فرعا لجهنم في الدنيا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” (6:66) والرسول الكريم إنما يشرح لنا معنى هذه الآية الكريمة في حديثه الشريف: “كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته” (بخاري ومسلم).

نار وقودها الناس والحجارة�هنا يوصف منزل مع أهله والمواد المشيد منها. أن يكون الناس “وقودا” يدل على أنهم يحترقون ويحرقون شيئا آخر وإن قلبا غير مسؤول هو قلب قد تحول إلى حجر وإنسان تحول إلى حجر سيكون وقودا يحرق الحجر. وماذا يعني أن يكون الحجر وقودا؟ إذا ما خطر ببالك أيها الإنسان أن “وقود جهنم لا بد وأن ينفذ في يوم من الأيام وبأنه طالما كانت هناك حياة أبدية في الآخرة فلا بد أن يأتي يوم وينتهي فيه هذا الوقود” فتذكر أن الوقود هناك لن ينفذ دون أن تنفذ جميع الحجارة في الدنيا. إن الوضع الذي سيكون عليه في الآخرة الأشخاص الذين لا يتحملون مسؤولياتهم والذين تُحدثنا عنهم الآية 6 من سورة التحريم يجب تصوره على ضوء الآيات التالية: “يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ” (80: 34 ـ 36). لا تشير هذه الآيات الكريمة إلى أن المرأة ستفر من زوجها بل على العكس تقول بأن رب المنزل سيفر من زوجته وأطفاله أما سبب فراره فهو عدم تلبيته أمر “قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” والأشخاص الذين سيطاردونه هم أفراد عائلته الذين سيحاسبونه قائلين “لماذا لم تتحمل مسؤوليتك تجاهنا؟”. إنه سيفر من عائلته في الآخرة لأنه لم يتحمل مسؤليته تجاهها في الدنيا.

الجنة تحت أقدام الأمهات وليست تحت أقدام النساء

كل من الجنسين الذكر والأنثى كان “امرأة” و”رجلا” قبل تأسيسهما سقف العائلة وهما يصبحان “زوجا وزوجة” بعد ذلك. وعندما يؤتي هذا السقف ثمارا تتغير الصفات الرئيسية لسقف العائلة وتتقدم خŸ

“فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ”

مارس 19, 2010 - Leave a Response

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (الممتحنة 9).

إسرائيل قامت على الظلم، ووصلت إلى أيامنا هذه ظلماً، وهي تعتقد أنها ستواصل وجودها بالظلم لهذا السبب اخترت الآية الكريمة “فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ” (البقرة 193) عنوانا لمقالتي هذه.

إن مجزرة غزة التي استمرت طيلة 22 يوما مودية بحياة مئات الأبرياء لم تكن الأولى كما أنها لن تكون الأخيرة. لقد أظهرت غزة نموذجا أسطوريا للمقاومة في وجه العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي لا يقف عند حد وأثبتت غزة بأنها ـ وكما يُلهم اسمها ـ موطنا “للغزوة” و”للغازين”.

إن القوة والعنف موجودان في طبيعة الحياة وهما أيضا اللذان يوجهان الغريزة في عالم الحيوان فالحيوانات المفترسة تصطاد مستخدمة هذه الغريزة والمقدرة التي تتمتع بها منذ الولادة. رغم هذا فإن أي نوع من الكائنات الحية لم يفنى بسبب القوة والعنف التي تمارسها الحيوانات على بعضها البعض. والكائن الوحيد الذي يقتل ما لا ولن يأكله أبدا هو الإنسان، كما أنه أيضا الكائن الوحيد الذي أوجد أسلحة بوسعها إبادة أضعاف من أبناء جنسه.

إن تقديس استخدام القوة والعنف ضد كل من ليس منا يستوجب غضب الله، وهذا ما فعله أبناء إسرائيل المهودين. وإن الاستبعاد القاطع لاستخدام القوة والعنف المقابلين لهو نفاق. ولقد فعلت هذا أيضا المسيحية البولصية (نسبة إلى بولص الطرطوسي) المتمثلة بمقولة “إذا ما صفعك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له الأيسر” والتي ظهرت كردة فعل على اليهودية التي تبيح استخدام القوة والعنف بلا حدود أو رقابة ضد كل من ليس من نفس العرق أو الدين (غوييم). إلا أن المسيحية البولصية لم تكن أبدا صادقة لرسالة عيسى عليه السلام؛ فالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والحروب المذهبية التي استمر بعضها 30 و100 عام ارتكب خلالها المجازر والحربين العالميتين الأولى والثانية اللتان راح ضحيتهما 60 مليون إنسان وبلاء النازية الذي أهدى لغة البشرية مفردة “إبادة” وأسلحة الدمار الشامل التي خرجت من العالم المسيحي كلها تثبت ذلك.

لا يمجد القرآن الكريم، الوحي الأكمل والأخير للإسلام، القوة والعنف كما لا ينفيهما. إن الذلة والمسكنة تليقان بالتصوف الهندي وليس بالإسلام، والقرآن الكريم الذي يقول بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يُنحّي القوة بل ينحي استخدامها بشكل غير أخلاقي. وتحمل القصص التي يرويها لنا بعض “الأدوار والنماذج” لأولي القوة والنفوذ كقصص يوسف عليه السلام وطالوت وداود وسليمان عليهما السلام وذي القرنين. وبعض هذه الشخصيات ملوك وبعضها أنبياء والقرآن الكريم يريد عبر هذه القصص بناء “أخلاق القوة”.

لقد رأى العالم مرة أخرى في غزة ما معنى أن تصبح القوة بيد أشخاص لا يتمتعون بأخلاق القوة. فقد فعلت إسرائيل مجددا ما سبق لها فعله في الماضي في دير ياسين وجنين وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة وبيت حانون ولبنان والكثير غيرها. لقد أمطرت الموت على أناس أبرياء دون أي تفريق بين نساء ورجال وشيوخ وشبان وقتلت 1366 شخصا وجرحت نحو 6000 آخرين أصيب 1500 منهم بعاهات مستديمة. ولم تكتفي إسرائيل بالقتل فقط بل أبادت مزارع الحيوانات والإسطبلات وأقنان الدجاج ومزارع الزيتون والبرتقال كما هدمت كل البنى التحتية لغزة البالغ تعداد سكانها حوالي مليون ونصف مليون نسمة وحولت شريط غزة بأسره إلى شريط موت وتخبرنا التوراة بأن هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها بنو إسرائيل على فعل ذلك: “وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف” (يشوع 6/21). وكما هو واضح فإن شيئا لم يتغير رغم مرور آلاف السنين.

قبل العدوان كانت غزة تزرح تحت وطأة حصار جائر منذ 20 شهرا ولم يكن يُسمح لها حتى بتلبية احتياجات الطعام الأساسية. ورغم أنه كان يجب دخول مائة ألف شاحنة لتلبية الاحتياجات الشهرية للقطاع من طعام ومأوى إلا أن عدد الشاحنات الذي دخل غزة خلال الحصار انخفض إلى 1600 وقبل بدء العدوان الإسرائيلي كانت غزة تئن تحت وطأة مجزرة صامتة حيث وصل عدد الأشخاص الذين يقضون يوميا بسبب نقص الغذاء والدواء بفعل الحصار إلى 50 شخصا. ولو أن حماس لم تقم بمحاولة للخروج من دوامة الموت الصامت عبر قيامها بمناورة بارعة فمن يدري كم من الأشخاص كان سيموت أيضا بصمت أمام أنظار العالم. وبالطبع لم تكن إسرائيل ستعتبر مسؤولة عمن يموتون بسبب الحصار، والأنكى من ذلك أن الجميع كان سيتابع من مكانه موت غزة الصامت. إلا أن هذا لم يحدث.

لقد كان في حسابات إسرائيل المدججة بالسلاح القضاء على المقاومة في غزة مدعومة بشكل مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وبشكل غير مباشر من عباس ومصر والأردن إلا أن جميع حساباتها انقلبت رأسا على عقب. فغزة أعطت العالم مرة أخرى رسالة مفادها أن “الشجاع يموت لكن الشجاعة لا تموت” وأظهرت مرة أخرى أن الجهاد فرض مكتوب لتثبت صدق البشرى الإلهية “وبشر الصابرين” كما أظهرت مرة أخرى أيضا كيف أن يكون الإنسان مظلوم وضحية هو نعمة.

لقد تجلى اسم الحي في غزة لدرجة أنها غدت وكأنها “نفخة صور” أحيت أرواح الأمة الميتة، ولكم نفضت غزة تراب الموتى من على جثث الأحياء. لقد أظهرت غزة بأن حياة الأمة الإسلامية الممزقة رهن بوحدتها فقد استنهضت جميع المؤمنين بأبيضهم وأسودهم، بغنيهم وفقيرهم، بعالمهم وجاهلهم، المؤمن وغير المؤمن، المصلي وغير المصلي، الشاب والشيخ، الشرقي والغربي وبدأ السباق لمساعدة غزة.

كنا نعتقد بأننا نحن من نساعد غزة بتكديس الغذاء والدواء لإشباع بطونهم الجوعى وتضميد جراحاتهم لكن في الحقيقة كانت غزة هي التي تساعدنا. ففي الوقت الذي استنفرنا فيه لإشباع بطونهم الخاوية اصطفوا هم على درب الشهادة لإشباع أرواحنا الجائعة. وفي الوقت الذي استنفرنا فيه القوى لتضميد جراحهم البدنية استنفروا هم لتضميد جرحنا المعنوية. وفي الوقت الذي كنا نساعدهم في دنياهم كانوا هم يساعدونا لآخرتنا. لقد أنفقنا من أموالنا وأنفقوا هم من أرواحهم. لقد تصدقنا بنقودنا وتصدقوا هم بأجسادهم بأيديهم، بأقدامهم، بأذرعهم، بأرجلهم، بأعينهم، بقدرتهم على الحركة. لقد علمونا العطاء والتقاسم وجعلونا ندرك كم الوحدة عزة وصواب.

والآن قولوا: أغزة هي التي ساعدتنا أم نحن الذين ساعدنا غزة؟ أيهما أعظم مساعدتنا لغزة أم مساعدتها لنا؟

لم يكن هناك توازن بالقوى وكان الفرق بالأرقام بين الجانبين كبير جدا لدرجة أن المنطق كان يرفض منذ البداية أي وجه للمقارنة والمقايسة وكان هناك عدم توازن يقلب كافة القواعد الرياضية رأسا على عقب. الطائرات من الجو والدبابات من الأرض والسفن الحربية من البحر كانت تمطر قطعة أرض صغيرة بآلاف الأطنان من السلاح. لقد أحيطت غزة بالأعداء من أربع جهات: إسرائيل من ثلاث جهات والنظام المصري من الجهة الرابعة بتواطئه القبيح معها. والمنطقة الواقعة تحت الاحتلال منذ نحو نصف قرن تركت لتموت تحت الحصار. وبالمقابل كان السلاح الوحيد عبارة عن صواريخ من أنابيب “صنع منزلي يدوي”. هذا كل شيء. وأولئك الأشخاص سيحاربون بأنفسهم. يا للعجب، لقد كانوا يدافعون كالأسود ليس فقط عن أنفسهم بل عنا جميعا لمواجهة قطاع الطرق الدوليين الذين يطلق عليهم اسم رابع جيش في العالم. إن القوة المهاجمة لم تتمكن من تحقيق أي من الأهداف التي خططت لها فهي لم تتمكن من احتلال غزة ولم تتمكن من وقف إطلاق الصواريخ ولم تعثر على الجندي الأسير وحتى أنها لم تتمكن من دخول أحياء القطاع وفي نهاية المطاف انسحبت معلنة وقف إطلاق النار من جانب واحد. العالم كله هب من أجل غزة من شافيز في فنزويلا إلى موراليس في بوليفيا واصطف كل ذي ضمير لتقديم المساعدة وحتى أن بعض اليهود العادلين باتوا يصفون إسرائيل بأنها “دولة قراصنة تعيش على أرض مسروقة”.

في غزة فهمنا مرة أخرى بشكل خاص معنى الوعد الإلهي في بدر: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ” (الأنفال9).

كيف يمكن فهم هذه المساعدة إن ملكا واحدا يكفي بل يزيد فلماذا ألف ملك؟ هل كانت الملائكة تركب جيادها وتشتبك مع المشركين وجها لوجه؟ بالطبع لا فهذا يناقض سنة الله. والقرآن هو من يخبرنا بذلك: “وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ” (يس 28). ونحن نفهم ماهية هذه المساعدة في آية أخرى: “وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُم”ْ(الأنفال10). وكما يفهم من الآية التالية أيضا: “إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ” (الأنفال 11-12).

إن الأمنة أو “الطمأنينة الداخلية” التي ينزلها الله على قلب يعقل والإرادة الفولاذية (التثبيت) التي تجعل الإنسان يقف ثابتا منتصبا هي بعينها الملائكة المقصودة بالمساعدة الإلهية. ولندرك ذلك يكفي أن نعلم بأن الإنسان لا يستمد قوته ومقاومته من عضلاته بل من قلبه. وجميعنا شهد ذلك في مقاومة غزة. كما اختبرنا ذلك شخصيا عند زيارتنا المنطقة في أشد أيام الهجوم عنفا. كانت هناك أم فلسطينية أحضرت للتو لأحد المشافي الفلسطينية وكانت مصابة بشلل في طرفها السفلي كانت تقول “أنا أم لخمس شهداء”. وهي لم تكن تقل ذلك بحزن وإنما بفخر وكانت تضيف: “لقد رميت بنفسي أنا المرأة المسنة أمام الدبابة وبدأت بالتكبير وكان جندي الاحتلال يرتجف خوفا داخل دبابته”. كان واضحا أن تلك المرأة المسنة التي أصيبت بشلل نصفي لم تكن تتحدث عبثا عندما كانت تقول “النصر لنا”. وفي نفس المشفى وقفت بجانب رجل مسن أحضر الآن من موقع الحرب. سألته: “كيف حدثت الواقعة!” وكنت أقصد بسؤالي ماذا حصل لك وكيف أصبت وكانت إجابته كافية لإظهار لماذا يت

10/08/2009

معنى الحج

يناير 8, 2009 - Leave a Response

مصطفى إسلام أوغلو

وردت كلمة شعائر في القرآن الكريم فيما يختص بالحج فقط وهي تعني “رموز” وقد جاء هذا المفهوم في العبارة القرآنية “من شعائر الله” (رموز الله) في إشارة إلى الحج. إن الحديث عن الرموز يدفعنا للتوقف برهة فالرمز لا يمكن إسناده إلى ذاته فكل رمز يسند لحقيقة خارجة عنه. والراغب بفهم معنى الحج يجب عليه طرح السؤال الآتي: إذا ما كان الحج أحد رموز الله فإلى ما ترمز تلك الرموز؟ أي ما هو المعنى الذي أراد الله إيصاله إلى عبده عبر هذه الرموز وإلى ما ترمز بالنسبة للعباد المؤمنين الذين فرض عليهم الحج؟

إن طريق الحج يرمز إلى “طريق الحياة” وكلمة الحج مشتقة أساسا من نفس مصدر كلمة محجة التي تعني “الطريق العريض والمستقيم”. والشخص الذي يسير في هذا الطريق شخص مدرك بأن الحياة طريق (صراط) وبأن الإنسان مسافر أبدا وبأن العبادة هي زاد الطريق. الله هو مالك الطريق ومالك المسافر الذي خلق لأجله الطريق. وبما أنه لا بد من أن يكون هناك “دليل” على أن المسافر يسير على الدرب كان الحج “حجة” يقدمها المسافر لله ليدل على أنه على الطريق.

إن هدف الحج هو ألا ينسى المسافر نهاية الطريق الذي سيحاسب في آخره فمن يضع حياته بين يديه ويذهب إلى المحشر هو كمن يقدم حسابه عن حياته يوم الحساب. وهكذا فإن الحج بمثابة (بروفة) ليوم الحشر ولا يجب علينا الذهاب بعيدا لنفهم ذلك إذ يكفي على الحاج أن ينظر إلى لباس الإحرام الذي يرتديه والمؤلف من قطعتي قماش هما إزار ورداء تمثلان الكفن.

عند الإحرام الكل متساو كما هي الحالة عند الموت تماما فالحاج الذي يعتمر ملابس الإحرام يكون قد رمى وراءه كل ما يدل على مرتبته الاجتماعية. وكما أن المصلي يضع عند التكبير العالم بأسره بين يديه ويرميه وراء ظهره فإن الحاج ـ وبالمثل تماما ـ يخلع عند ارتدائه ملابس الإحرام جميع ملابس عالمه.

ملابس الإحرام بيضاء تدل على النقاء وهي شبيهة بلباس الحواريين. أولم يطلق عيسى عليه السلام كلمة “حواري” على الحواريين لأنهم كانوا يرتدون “ملابس بيضاء”؟ والحاج الذي لبس ملابس الإحرام يغدو مرشحا ليكون من أنصار دين الله. وهو إذا ما وفى بعهده سيهاجر إليه الإسلام، وإذا لم يفِ بالعهد ودنس نفسه سيهاجر منه الإسلام.

إن الحج يبدأ بالترك وهذا أول ما يعلمه فلا أحد يستطيع العثور دون الترك. ولا يمكن الالتقاء دون الافتراق. ولا يمكن النيل دون الحرمان. ولا يمكن النظر إلى الخلف دون إدارة الظهر. من أجل الوصول إلى القيمة يجب ترك السعر. ومن أجل الالتقاء بالكبير يجب ترك الصغير. ومن أجل الحصول على الثواب يجب ترك الذنب. ومن أجل الوصول إلى الجليل يجب ترك السفيل. ومن أجل الالتقاء بالكعبة يجب ترك الوطن. ومن أجل الوصول إلى الداخل يجب توديع الخارج. ومن أجل الوصول إلى هيبة ملابس الإحرام التي تمثل الكفن يجب ترك كل الملابس الأخرى.

لدى تأديته كافة العبادات يطلب العبد أن تكون عبادته “مقبولة” أما بالنسبة للحج تستخدم عوضا عن كلمة “مقبول” كلمة “مبرور” (وهي تعني الأمر الذي تمت تأديته بشكل صحيح وقويم، الواصل إلى كنه الشيء، الأمر الذي تمت تأديته كما ينبغي، الواصل إلى هدفه، رفيع الجودة، الحج الذي يعتبر في عداد حج المبرورين) وكما أن كلمة شعائر (رموز) استخدمت كمفهوم اختص بالحج ولم تستخدم بالنسبة للعبادات الأخرى فإن كلمة مبرور أيضا استخدمت فيما يخص الحج فقط. وهذه المفاهيم الاستثنائية إنما تدل على المكانة الاستثنائية التي يتمتع بها الحج بين سائر العبادات الأخرى.

وعلى العكس من العبادات الأخرى كان النداء إلى الحج نداء “للناس” وقد خوطب إبراهيم عليه السلام بالآية القرآنية “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” ويأتي في دوام الآية “وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً”.

إن أكثر ما يقلق كل مؤمن ذو شعور ذهب إلى الحج هو السؤال التالي: هل قُبل حجي؟ لا أحد سوى الله بوسعه تقديم ضمان “لقبول” أي عبادة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط في جميع أحاديثه التي تبشر الحجيج أن يكون “الحج مبرورا”.

لكن كيف يجب أن يكون الحج المبرور أو ما الذي يجب فعله ليكون الحج مبرورا؟

قبل الإجابة على هذا السؤال علينا طرح أسئلة أخرى تأكد فهمنا لمعنى وروح وحكمة ومقصد الحج:

هل تعتبر عبادة الحج ميزة؟ وإذا ما كانت كذلك هل يعتبر الأشخاص الذين لم يتمكنوا من أداء الحج “خاسرون”؟

الإجابة واضحة:

إن الحج ليس ميزة بل مسؤولية وهو بالضبط مثل أداء الزكاة لمن يتمتع بثروة. وتأدية الحج لمن فرض عليه مسؤولية وليس كل من ذهب إلى الحج رجع حاجا. فالبعض يذهب “متألما” ويرجع “حاجا” والبعض يذهب “متألما” ويعود “متألما” والبعض يذهب “مسرورا” ويرجع “متألما”.

وكما أن كثيرين ممن ذهبوا إلى الكعبة هربت منهم الكعبة فإن الكثير من العشاق الذين لم يتمكنوا من الذهاب طافوا حول الكعبة بقلوبهم كالحجيج. أذكر أني سمعت بأذني خلال إحدى حجاتي شخصا يقول “ألأجل هذا جلبونا لرأس هذا الجبل (عرفات)؟” أو كما يعتقد البعض بأن الكعبة هي ضريح أولياء يرجع منها ليقول “لقد زرنا الضريح وعدنا”. في أية مرتبة يجب وضع هؤلاء؟ وأين يجب وضع الأشخاص الذين منحوا حصة من الكعكة ويتمتعون بوثيقة سياحة من الدرجة الأولى الساعين لكسب الربح من’السياحة الدينية‘ دون أن تكون لهم علاقة بالدين والإيمان والذين يقولون “إني أرسل الحجاج منذ عشرين عاما إلا أني لم أشعر مرة واحدة بفضول للذهاب إلى ذلك المكان (الكعبة)”. وهنا يجب تذكير من يقعون ضحية الاعتقاد بأن الحج يقاس بعدد الحجات بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج سوى مرة واحدة خلال حياته.

وكانت حجة الوداع وصية حياته للأمة الإسلامية فقد ضمنها رموز وإشارات الحياة النموذجية/المثالية التي عاشها. وهو عندما قال “خذوا عني مناسككم” كان يريد القول في واقع الأمر “خذوا عني رموز حياة مرضية”.

وخلاصة الكلام هي أن الذهاب إلى الحج هو بدء وليس انتهاء، هو “إعطاء العهد لله” وليس “أخذ العهد منه”، هو مسؤولية وليس ميزة، هو تطبيق وفعل وليس تشريف ومراتب…

في العبادات هناك ما هو ميت وما هو حي. وقد أطلق القرآن الكريم كلمة “إضاعة” على قتل العبادة وتحدث عن إضاعة الصلاة. وكلمة إضاعة تعني “هدر أمر ما وجعله لا يصلح لشيء”. إن العبادة تموت عند تضييعها، وتحيى عند كسبها وتضييع الحج يعادل تضييع الحياة وكسب الحج يعادل كسب الحياة.

لفهم ذلك يجب تلخيص معاني الحج:

الإحرام: يرمز لاحترام الوجود ومراعاة الحدود.

التلبية: تمثل تلبية الدعوة الإلهية.

عرفات: تمثل المعرفة.

المشاعر: تمثل الشعور.

الجمرات: ترمز للجهاد والمجاهدة ضد الشيطان ومن اتبعه وضد الشر والظلم.

الأضحية: تمثل القرب والتسليم دون قيد أو شرط.

الطواف: هو التوقيع الفعلي على العهد المبرم بين الله والإنسان وهو يمثل الانضمام الطوعي للنظام الإلهي العالمي.

السعي: ويمثل الجهد الذي يبذله الإنسان ـ الذي عرف بأن الحياة هجرة أبدية وبأنه مهاجر أبدي ـ طيلة حياته من أجل تحقيق هدف الوجود.

تلخيصا للخلاصة بوسعنا تعريف الحج بإيجاز على أنه: احترام الوجود ومراعاة الحدود، الشعور والمعرفة، المجاهدة والجهاد، القرب والتسليم، الوفاء بالعهد الإلهي، الانتماء للكائنات، الهجرة إلى الحق، السعي وبذل الجهد.

هنا يجب طرح السؤال التالي: ما هي رموز الحياة المرضية؟

إنها العناصر التي ذكرناها أعلاه بحذافيرها. أي أن كل ما يجعل الحج حجا هو بعينه ما يجعل الحياة حياة مرضية. ولو أننا نظرنا إلى رموز حياة الرسول الكريم لوجدنا أنها لا تختلف عن رموز الحج التي لخصناها أعلاه.

وهكذا فإن إرث الحج الذي خلفه لنا الرسول الكريم خلال الحجة التي قام بها في نهاية حياته قبل أيام من وفاته والتي قال فيها “خذوا عني مناسككم” كان في الحقيقة حياته. إن الرسول الكريم ترك لنا في سورة الحج رموز حياته أو إن صح التعبير “ملفا مضغوطا” وكان ذلك هو إرثه ووصيته.

إن من يذهب إلى الحج يذهب في الحقيقة للحصول على رموز ومفاتيح الحياة التي يجب أن يحياها. ولهذا السبب فإن الذهاب إلى الحج يعني الذهاب للحصول على ملف حياة مرضية أي أنه ليس “مجيء” وإنما “مجيء من أجل جلب”.

وكل من يقصد الحج يجب أن يقصده مندوبا عن كل من لم يتمكن من تأدية الحج ويجب أن يكون جزء من حجه باسم من لم يتمكنوا من الذهاب. يجب أن يذهب باسمهم ويجب أولا أن يتعلم الحياة المرضية عبر الشعائر والرموز، ويجب عليه بعد ذلك تطبيقها في حياته كما فعل خلال تطبيقه الحقائق التي دلت عليها تلك الرموز.

لقد وصف الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الحج بأنه جهاد لدى إجابته في إحدى المرات على سؤال لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها. وهناك عدة أحاديث صحيحة تشبه الحج بالجهاد وهذا التشبيه مثير بالفعل. وتعريف الجهاد معروف وهو: الجهود الحثيثة التي يبذلها الإنسان من أجل الله وإعلاء كلمته. أي أن الجهد المبذول لنقل الحج إلى الحياة هو في واقع الأمر جهاد “نقل الحياة إلى الحياة” وليس أي شيء آخر.

وعندما نفهم حقيقة الحج هذه ندرك بأنه كما يمكن أن يكون هناك حج لمن استطاع إليه سبلا يمكن أن يكون هناك حج لمن لم يستطيع إليه سبيلا والذين يتمكنون من قصد الحج ليسوا أبدا فئة “أشخاص اختصهم الحظ” كما أن الذين لم يتمكنوا من أداء الحج ليسوا من فئة “أشخاص خاسرين عاثري الحظ”. إن الحج ليس “آلة غسيل” يغسل بها الأثرياء ذنوبهم وليس “وثيقة ضمان” تقدم مسبقا لكل من ذهب إليه.

والحج كما يذكره القرآن الكريم دعوة موجهة للناس جميعا ولهذا السبب فإن المؤمنين الذين فرض عليهم الحج يتوقون لأداء هذه العبادة التي فرضت على الناس فرض كفاية. إن النظر بعين الاتهام إلى الذين لم يتمكنوا من أداء الحج لأنهم لم يستطيعوا إليه سبيلا يحملنا على التمعن ببعض الأمور: بعض من يذهبون إلى الحج تهرب منهم الكعبة رغم أنهم يقفون بجانبها وبعض العشاق الذين لم يستطيعوا إلى الحج سبيلا تأتي الكعبة لزيارتهم. ولنا أن نذكر في هذا الصدد ذلك المثال الرائع لعبد الله بن مبارك الذي عاد أدراجه عندما كان في طريقه إلى الحج لأنه أعطى كل نقوده لأيتام جوعى معوزين صادفهم في طريقه.

لقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك عندما قال أن “ثواب الحج المبرور هو الجنة” ولم يقل ثواب كل حج. أن يكون الحج مبرورا يعني أن يكون “حجا من حج الأبرار، عالي الجودة، تمت تأديته كما ينبغي” إن مناسك الحج التي تمثل شعائر الله يمكن أن تتحقق بتحقق الحقائق التي ترمز إليها، وهذا الأمر ممكن إذا ما تم نقل الحج إلى الحياة.

سؤال: متى يعرف بأن الحج كان مبرورا وبأنه قُبل؟

الجواب: عند الموت.

جعل الله حجنا حياة، وحياتنا حجا.

ترجمة : مروة داغستاني بارسيك

لماذا “الحياة القرآنية”؟

نوفمبر 1, 2008 - Leave a Response

مصطفى إسلام أوغلو

ان بداية و نهاية و وسط كل عمل من اعمالنا يبدأ باسمه ولاسمه.

فان حمدنا وثناؤنا لله تعالى فهو الرحيم بجوهره والرحيم بعمله. إنه ينبوع الرحمة الذي لا ينضب. تكرم على بني آدم بالوحي وبه ملأ قلوبنا التي تعقل.

تسليمنا وصلواتنا لرسول الله الأكرم ـ عليه أفضل السلام ـ الذي كانت حياته نموذجا قرآنيا حيا والذي بلغنا الوحي كما أنزل عليه ولم يكتف بتبليغ الوحي فحسب بل عاش حياة تحتذى وتكرم على الإنسانية بأن ترك لها دربا منيرا تكمن في نهايته السعادة الأبدية.

ان الوحي هو أعلى مراتب الكلمة. فالوجود وجد عندما تكلم “هو”. والتاريخ بدأ عندما أذن “هو”. ونفخت الروح في البشر كي يفهم لغته “هو”. و”هو” من أوجد الإرادة والعقل والنطق في تلك الروح لتسمع كلامه “هو“. والإنسان أوجده ليفهمه “هو”.

والذي أوجد الوجود بالكلمة أوجد الجنس البشري بالكلمة أيضا. وبالوحي علم الإنسان، الذي حمَّله المسؤولية والحق، سبل استخدام مسؤولياته وحقوقه. لقد وضع الخالق الكلمة في محور التاريخ وبالوحي أرشد الإنسان للطريق القويم. واستخلف الإنسان في الأرض ليعمر الحياة. وليؤدي هذا الخليفة عمله على أتم وجه أنشأ الخالق الإنسان بيد الوحي.

الإسلام هو اسم النظام الذي يدبر به الله شؤون الكائنات، أما الوحي فهو مشروع إنشاء إلهي. و كانت الحياة طريقا والإنسان عابرا. و”هو” من خلق الطريق والعابر. إن تحديد خارطة الطريق كانت من حق خالق الطريق والعابر. وكل ما تنزل من الوحي الإلهي تنزل كي توجد هذه الثمرة الأصيلة لشجرة الكائنات. وتجلى الوحي للإنسانية في آخر مراحله بصورة القرآن الكريم المرشد الأبدي.

إن الوحي الأخير (القرآن الكريم) قد لخص كل ما أسلفناه بهذه الجمل الأربعة:

الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان…

إنه ينبوع الرحمة الذي لا ينضب…

هو من علم القرآن…

هو من أوجد الجنس البشري…

هو من تكرم عليه ومنحه القدرة للتعبير عما يختلج في نفسه…

إن وحي القرآن هو حياة لا توصف أنزلها الحي القيوم لتستقر في قلب الحياة وتنشئها. والهدف من ذلك هو إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور ومن الأنانية إلى إدراك الذات ومن الأسر إلى الحرية ومن اللاوعي إلى الوعي ومن عبودية النفس إلى حرية الروح.

لقد حالت هذه البذرة الأصيلة لشجرة الوجود دون تلفها هي أو تلف كل ما تمسه بيدها. بل وتجاوزت نفسها لتزداد نقاء وكمالا ورفعة وليتجه مكمنها لآفاق الطريق الحق.

لقد سن الوحي وخالق الإنسان القوانين لتحقيق هذه الغاية وإذا ما تصرف الإنسان وفقا لها يكون هدف الوحي من الإنشاء قد تحقق، ولكن إذا لم يتصرف الإنسان وفق تلك القوانين يبقى الإنسان محروما من الإنشاء. وأول شرط لتحقق ذلك هو النظر للوحي على أنه هو “الفاعل” لأنه هو كذلك في واقع الأمر.

لقد أثبت الوحي قدرته على الإنشاء عبر الجيل الأول الذي ملَّكه المقدرة على التنفيذ. فالجيل الذي أنشأه الوحي أنشأ بيده الحياة والعالم. لقد أطلق الوحي بيد ذلك الجيل حملة إيمانية لم ترَ البشرية لها مثيلا الا نادرا.

وقد أثبت الوحي أمرا آخرا أيضا وهو أنه إذا ما سلم جيل نفسه لإنشاء القرآن فإن الله سيوكل لذلك الجيل مهمة إنشاء التاريخ.

أي كل ما يكون “مفعولا به” للقرآن يصبح “فاعلا” للتاريخ.

وكل ما يكون خادما للوحي يكون سيدا للحياة.

أي أن من يستسلم للوحي تستسلم له الحياة.

إن من يترك للوحي شأن ترتيب وتحديد مسيرة حياته يكون جديرا بأن يرسم بيديه ملامح مسيرة الزمن.

ويأتي الدور على المؤمنين الذين حُمِّلت لهم أمانة الوحي ليثبتوا مقدرتهم على التنفيذ. إلا أن المؤمنين لم ينجحوا على الدوام بأن ينشئوا عبر الوحي. فعوضا عن أن ينشئوا العالم وفقا للنهج الذي اختطه الوحي حاولوا إنشاء الوحي ذاته. أي أنهم بدل أن يكونوا “مفعولا به” بيد الوحي حاولوا أن يجعلوا من الوحي نفسه “مفعولا به”. وكانت نتائج ذلك وخيمة للغاية حيث أصبحوا هم مفعولا به بيد التاريخ ولم يكن ذلك سوى عقوبة لهم لمحاولتهم جعل الوحي مفعولا به.

إن عملية محاولة جعل الوحي مفعولا به مرت بالمراحل التالية:

أسبغ رب الكلمات معان على تلك الكلمات ليفقهها كل ذو قلب يعقل وليضعها على درب حياته ويستخلص منها المعاني والعبر وواصل الذين انتهجوا مسيرة الإنشاء، كما أراد الوحي، استخلاص المعاني. وما تدوين لغة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والفتوحات الإسلامية المعظمة التي لا تخضع لتفسير عقلاني وانكشاف طرائق علوم البرهان والبيان والعرفان وإنشاء حضارة فريدة وإرث علمي هائل وكل التطورات الأخرى التي شهدتها مختلف ميادين الحياة، ما كل ذلك سوى نتائج مباركة لاستخلاص المعاني.

لكن جاء يوم نضب فيه استخلاص المعاني وعندما توقف استخلاص المعاني استهلكت المعاني. وَاحداهما نتيجة واقعية للأخرى. ولملئ الفراغ الذي ولده التوقف عن استخلاص المعاني بدأت عملية تمجيد الأشكال ونتيجة لتلك العملية غطى لفظ الوحي على معناه وغطى المعنى على المقصد. وعوضا عن أن تكون العلاقة مع الوحي علاقة “قراءة قلبية” أصبحت علاقة “قراءة سطحية”. لقد أمرنا منزل الوحي بقراءته ترتيلا. ولكن أتخذ بقراءته تجويدا ومن ثم أصبح الهم الأوحد هو تلاوة القرآن تجويدا بالتركيز على مخارج الحروف دون التركيز على معانيه.

إن الوحي يجب أن يقرأ تجويدا بلا شك بل وبأعذب الأصوات ويجب أن يكتب بأجمل الخطوط وأحلى الحروف وأن يطبع على أجمل الصحف ويجلد بأحسن جلد وكل ذلك لا يفيه قدره. إلا أن الوحي لم يتنزل من أجل أي من تلك الأمور لقد تنزل ليفهم وُيعاش ويعيش.

إن المرحلة التي وصلنا إليها في نهاية هذه العملية هي تماما ما يصفه شاعر القرآن محمد عاكف بالأبيات التالية:

فإما أن نفتح صحف النظم الجليل فنبصر ولا نرى

أو أن نتلوه على من مات ودفن تحت الثرى

وعبَّر الوحي عن هذه المرحلة الوخيمة التي وصلنا إليها بقوله “اتخذوه مهجورا” وهذا يعني أننا بتنا نحمل الوحي بأيدينا لكن لا نحمله بعقولنا، نضعه في أعلى الأماكن لكن لا نطبقه نهجا لحياتنا، نقرأه بألسنتنا لكن لا نضعه في قلوبنا، نراه بأعيننا لكن نتجاهل تعاليمه، نسمعه لكن لا نطيع كلامه. أي وباختصار لقد بات الوحي يعامل معاملة “النص الميت”…

تلك هي المراحل التي مر بها الوحي في تنحيته عن أن يكون مصدرا للمعاني. فلم يعد الوحي موضوعا للمعاني وكيف بوسع ما ليس هو موضوع للمعاني أن يحدد الحياة؟ وهل يمكن عيش حقيقة لا تفهم؟ إن تفسير كل ما حصل هو أن الوحي قد تُرِك بلا حياة…

ولم يكن الوحي المتضرر من ذلك بل كانت الحياة هي المتضررة الحقيقية. ولقد حصل ما حصل عندما أرخيت أسس الحياة دون الوحي. كيف يمكن تخليص الإنسانية من دوامة انعدام القيم وانعدام المعنى التي وقعت فيها؟

كان ذلك هو سؤال الأسئلة و مشكلة المشاكل.

الإيديولوجيات تموت واحدة تلو الأخرى لأنه بات جليا للعيان وبما لا يدع مجالا للشك أنها لن تروي ظمأ الإنسانية.

كلما بدأت الأسعار تحتل مكان القيم كلما اقتربت نهاية الإنسان. والتدابير الأمنية عديمة الروح والسياسات التعليمية التي باتت تتجه نحو اتخاذ نمط واحد متشابه ليست كافية لحقن دماء الإنسان والإنسانية. عشية تحول نظام التعليم الحديث لمجزرة فكرية أصبح جليا للعيان أن ذلك النظام لن يكون دواء ناجعا وأن علما وتعليما لم ينالا قسطهما من رحمة الرحمن لا يوجد أي سبب يمنعهما من التحول لنظام يُخرِّج “وحوشا” يحملون شهادات.

إن التصرفات التي تمجد الأقوياء والقوة لدى مراكز القوى في العالم تفضي لنتائج مريضة وتجعل المسحوقين يعبدون القوة. إن العولمة الوحشية التي لا ترى الصلة بين الرزَّاق ورزق العباد توشك أن تؤدي لنتائج خطيرة “كأزمة الغذاء” التي أضيفت لمجموعة الأزمات التي تسببت بها تلك العولمة الوحشية.

إن هذا العالم هو دار ضيافة جهزه الله بالفاكهة الأصيلة لشجرة المخلوقات (الإنسان) وهو لم يُستخدم في أي وقت مضى بهذا الشكل الوحشي والعابث كما يستخدم عليه الآن. فـ “الحياة العصرية” التي تستهلك الموارد الباطنية والسطحية بجشع بالغ هي نذير للكارثة التي ستسفر عنها دون أن يبدو أنها تثمر أو ستثمر عن أي حل لها.

رغم كل مزاعم التطور والتقدم إلا أن الإنسانية اليوم ليست أسعد حالا مما كانت عليه بالأمس ومعدل سعادة الإنسان الآن ليس أعلى مما كان عليه بالأمس والتعاسة اليوم ليست أقل مما كانت عليه البارحة. وإن الرحمة والرأفة لدى الإنسانية ليست أكثر مما كانت عليه بالأمس بل على العكس باتت تتقلص وتنقص يوما بعد يوم وبات العطش للعدالة يكبر أكثر فأكثر ككرة الثلج.

إن الوضع المتردي الذي ترجع أسبابه لكل ما ذكرناه سابقا ولأسباب أخرى لم نعددها لا سبيل للفكاك منه إلا بـ “العودة للوحي”. إذا ما كانت الإنسانية ستستعيد إنسانيتها من جديد فإن ذلك لا يمكن تحقيقه أبدا إلا بالعودة من الأسعار إلى المعاني والقيم. والعودة للقيم ليست طريقا منفصلا عن الله لأن الله هو المعنى وحياة بلا الله حياة بلا معنى.

إن الوحي هو المعنى والصلة التي تربط الله بالحياة. والإجابة على السؤال الذي طرحناه بداية “لماذا الحياة القرآنية؟” تكمن في ذلك.

إذا ما كانت الإنسانية تريد الرجوع لقلب يعقل فإنه يتعين عليها العودة للكتب المقدسة.

وإذا ما كانت الإنسانية سترجع للكتب المقدسة فإنه لا بد لها أن تعود للقرآن الكريم لأنه لا منافس له في هذا المجال.

إن العودة للقرآن أمر حتمي وهي ليست عودة لفعالية فكرية مطلقة بل العودة إلى القرآن هي عودة لقلب الحياة فالقرآن أرسل ليهب الحياة حياة.

القرآن هو “حبل الله” ومن يعتصم بالقرآن يكون قد اعتصم بحبل الله.

القرآن ورمضان

نوفمبر 1, 2008 - Leave a Response

صطفى إسلام أوغلو


أبدأ باسم خالق الزمان والإنسان، منزل الوحي، مشرف الزمان والإنسان به.

الزمان كالإنسان تماما بحر أسرار. لا أحد غير الله يعرف ما يخفيه الزمان في كنهه والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يدون الزمن ويضع له الخطط ويعلق عليه الآمال.

الزمان والإنسان والوحي…

النقطة التي تجمع بين ثلاثتهم هي كونهم “شهود”.

إن الله يُقسم بالزمان وبأجزائه كحين قوله: “وَالْعَصْرِ… وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ… وَالضُّحَى… وَالصُّبْحِ… وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى… فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ…” إن هدف الحلفان في هذه الآيات هو التذكير بأن الزمان شاهد على الإنسان والهدف من هذا التذكير هو أن يستخدم الإنسان الزمان على نحو جيد وصحيح ومثمر. وإذا لم يفعل الإنسان ذلك يكون قد حول نعمة الزمان التي منحت إليه إلى شاهد يشهد ضده وخسر بذلك خسارة مزدوجة: فمن جهة يكون قد فرط بأمانة الوقت التي منحت له ومن جهة ثانية يكون قد حوله إلى شاهد يشهد ضده.

الله الذي جعل الزمان شاهدا على الإنسان جعل الإنسان شاهدا عليه، وكلمة الشهادة هي أبلغ تعبير عن هذا الشهود. فدعوة الإنسان ليكون شاهدا على الله هو شرف بل هو أعظم شرف لأن الشهود على الله هو أعظم شهود وهو شهود على الأعظم. وإن الشهود على الأعظم هو أعظم شرف. إن الله القائم بذاته الأبدي السرمدي المحيي الأبدي لن ينال شيئا من شهادة الإنسان وهو أراد من جعل الإنسان شاهدا على ذاته أن يشرفه وأن يفتح أمام العقل والإرادة التي وهبهما له أفقا لا متناه. أوليس الله “ذِي الْمَعَارِجِ” (أي المراتب والدرجات) وقد منح الله الإنسان الإمكانيات والفرص للارتقاء والصعود على هذه المراتب.

إن الوحي يأتي في مقدمة الإمكانيات التي وهبها الله للإنسان ليرتقي ويرتفع. والوحي كالإنسان والزمان تماما هو أيضا شاهد ولأنه شاهد يقدم نفسه بصفات كالمجيد والكريم والعزيز وهذه الصفات جميعها صيغة “فاعل” (شاهد). لقد أنزل الكلام الإلهي على الإنسان وهو سيحاسب على حمله أو عدم حمله. فالوحي سيشهد على السلوك الذي سيسلكه الإنسان ـ الذي نزل عليه الوحي ـ إزاءه. وما إرسال النبي الكريم ـ الذي كان “قرآنا يمشي على قدميه” ـ “شاهدا” إلا للدلالة على أن الوحي قد أنزل شاهدا.

أجل كما رأينا إن كل من الزمان والإنسان والوحي يشتركون بأنهم شهود. ولكن الفرق بينهم هو أن الزمان والوحي شاهدان على الإنسان في حين أن الإنسان شاهد على الله وهذا ما يجعل الإنسان مستثنى. ولهذا السبب فإن الزمان والوحي هما للإنسان أما الإنسان فهو لله، هذا هو الترتيب الإلهي. وأن يصبح الإنسان معرضا ومحكوما للزمن يخل بهذا الترتيب لأنه في هذه الحالة لا يكون “الزمان للإنسان” بل يكون “الإنسان للزمان” وهذا يخل بالترتيب الإلهي ويعني تدخلا بلائحة الشرفية. ربما يتوارد على الذهن السؤال التالي: “أين يقع مكان الزمان والوحي في تلك المراتب؟”. إن شهر رمضان يجيب ضمنا على هذا السؤال. وللإجابة عليه لا بد لنا من التذكير بالآية التالية التي تشرح لنا من أين جاءت قيمة هذا الشهر:

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (سورة البقرة الآية 185)

إن هذه الآية تظهر بشكل واضح وصريح السبب الذي جعل رمضان شهرا استثنائيا. ففي هذا الشهر بدأ نزول القرآن الكريم وهذه الحقيقة تؤكد في الآية الأولى من سورة القدر أيضا. إن رمضان هو شهر مولد القرآن وليلة القدر هي يوم مولد القرآن وهي ليلة من ليالي شهر رمضان وهذه الحقيقة تظهر بشكل واضح وصريح عند قراءة ومقابلة الآيتين 185 من سورة البقرة و1 من سورة القدر. وهذا يعني أنه لو لم تكن ليلة القدر التي بدأ فيها نزول القرآن إحدى ليالي رمضان، لم يكن لهذا الشهر أن يحمل تلك القدسية والبركة. فكل القدسية والبركة التي يتمتع بها رمضان تنبع من كونه يحمل بين جنبيه الليلة التي بدأ فيها نزول الوحي.

وتشرح سورة القدر عظمة القدسية والبركة التي يتمتع بها رمضان كما يلي:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

إن الوحي الذي يجعل ليلة ونهارا تساوي عمرا بأكمله قد جعل الشهر الذي نزل به “سلطان الشهور”. ولو لم يجلب شهر رمضان “سلطان الكلمات” لما كان له أن يصبح سلطان الشهور. وهذه السورة المباركة تريد من قارئها أن يتحقق ويعترف بأن “الوحي الذي جعل الليلة التي أنزل فيها تساوي عمرا بحاله من شأنه ـ إذا ما نزل على حياتي ـ أن يجعل كل يوم من أيامها تساوي عمرا بأكمله. وإن مكافأة عمر نزل عليه الوحي هي الجنة بعينها!

وهذا يعني أن سبب قدسية وبركة رمضان ليست الزمان وإنما الوحي. وسبب الوحي هو الهداية أي “الإرشاد”. وسبب الهداية هو البينات والفرقان وهما من صفات الوحي. والبينات تعني “الدلائل الواضحة الكافية لإثبات حقيقة ندافع عنها”. أما الفرقان فهو “الخاصية أو المقدرة على التفريق بين الجيد والسيئ، الحق والباطل، الصحيح والخطأ، العدالة والظلم”. وتعرَّف لنا الآية 185 من سورة البقرة، التي تأمرنا بالصيام، القرآن بهذين الوصفين وهذا ليس عبثا لأن هدف الوحي بهداية قارئه لا يمكن أن يتحقق إلا بهما. والصفة الأولى أي البينات هي صفة يتمتع بها القرآن ويمنحها لقارئه، أما الصفة الثانية الفرقان فهي صفة تتولد لدى القارئ. وإن تصورا وعقلا أنشأه القرآن هو وحده من يمكنه أن ينال صفة الفرقان. وعين تنظر بمثل هذا المفهوم وهذا العقل هي فقط التي بوسعها رؤية وإدراك مواطن الحقائق التي تشير إليها البينات والسؤال الهام الذي يجب طرحه بعد كل هذا هو: لماذا شرع الصيام لإحياء شهر ولادة القرآن؟ وبعبارة أخرى: لماذا يجب الاحتفال بمولد القرآن عبر الصيام؟

إن الإجابة على هذا السؤال الهام هي بذات الوقت مفتاح لفهم الوحي وتطبيقه في حياتنا.

إن كلمة “روزه” التي تعني باللغة الفارسية “يوم” يقابلها باللغة التركية كلمة “أوروج” (صوم) وبلغة القرآن الكريم كلمة صوم. ويتضمن معنى الصوم “الإمساك” أو “الترك” والمعنى الأصلي للكلمة هو “الانقطاع عن الطعام والشراب وإغلاق الفم وعدم إدخال شيء إلى الجوف”. وفي الاشتقاق الأكبر تعني صفة “الصمد” ـ التي هي من الأسماء الحسنى ـ “الكلية المطلقة، التمام وعدم النقصان” وهي تأتي من نفس الجذر الذي اشتقت منه كلمات مثل “صامت” التي قيمته ثابتة، وكلمة “صمد” التي تعني مؤلف من جزء واحد أو كلي والصخر الأصم، وكلمة صوم التي تعني الصمت لعدم فتح الفم، وصامد التي تعني القوة ومركز الجذب.

نقول بلغتنا (التركية) “أمسك” بالصيام (أي صام) و”أدى” الصلاة و”أخذ” الوضوء و”أعطى” الزكاة و”نطق” بالشهادة و”ذهب” إلى الحج. إذا ما اعتبرنا كلمة “أمسك” المستخدمة في لغتنا التركية تأتي بمعنى الصيام تماما فإن ترجمة عبارة “الإمساك بالصيام” تكون على النحو التالي “الإمساك بالإمساك”.

وإن “الإمساك” بالصيام هو الإمساك بجانب الصيام أي أنه يعني (حسب التعابير المستخدمة باللغة التركية) “أني من جانب الصيام، أني من جهة الصيام!” إن الإمساك بالصيام يعني الإمساك بالذات فكل ما يصيبنا يصيبنا لأننا لا نمسك أنفسنا. وأصل الذنوب يرجع إلى عدم الإمساك بالغضب وبالنفس وبالشهوات وباللسان وغير ذلك. وبقدر ما يمسك الشخص بالصيام، بقدر ما يمسك الصيام بالشخص. ومن يمسك بالصيام مرفوع الرأس يمسكه الصيام مرفوع الرأس. إن الصيام يصبح درعا يحمي الإنسان من أن يكون عبدا لعبد، وعقلا يحمي العبد عن اتخاذ عبد. بهذا المفهوم يصبح الصيام “غذاء” وليس “جوعا”. إن الذي يجوع هو البدن ومعنى هذا التأكيد على أن الجانب المادي للإنسان يأتي “في المرتبة الثانية” وبأن الجانب الذي يحتل المرتبة الأولى يجب أن يكون العقل والفكر الذي يتذكر ويتعظ ويؤمن ويضع القيم ويميز الخير عن الشر.

إن رمضان شهر ولادة القرآن يبرز لنا هنا كيف يحيى الإنسان عبر تجويع الجسد وكيف يزيد هذا من مقدرة المؤمن على الفهم والتذكير بإثارة وتشجيع ملكاته العقلية والروحية. وعلاقة ذلك بالقرآن واضحة وهي المساهمة بفهم الوحي بشكل أفضل. وما “قراءة” الوحي إلا ذلك الأمر بعينه فالغاية من القراءة هي الفهم وإذا ما كان شيء ما لا يُفهم فهذا يعني بذات الوقت أنه لا يقرأ. وإن الأمر الإلهي “اقرأ” ليس بحاجة لأمر آخر “افهم” لأن القراءة تتضمن معنى الفهم. والغاية من كلمة القراءة التي وردت في أول سورة العلق هو “التعلم” وهو ما ورد صراحة في الآيتين الرابعة والخامسة. وهذا ما يطلبه أمر قراءة القرآن ترتيلا الذي ورد في سورة المزمل ثاني آية أنزلت في القرآن الكريم. وبالطبع فإن معنى فهم الشيء هو عيشه على أرض الواقع ولا يمكن عيش رسالة دون فهمها.

لهذا السبب فإن رمضان هو شهر القرآن ورمضان هو رمضان لأنه جلب لنا القرآن. وإن رمضاناتنا تكون مباركة بقدر ما نقرأ فيها من القرآن الكريم وبقدر ما نفهمه ونعيشه ونحييه.

وبالطبع فإن العلاقة بالقرآن ليست حصرا على شهر رمضان فحسب لأن رمضان ليس شهر “نزول” القرآن بل هو الشهر الذي “بدأ فيه النزول” والقرآن بدأ يتنزل في ليلة القدر إحدى ليالي رمضان وواصل نزوله لفترة طويلة إلى أن أنشأ حياة جيل بأكمله. ولا يمكن أن قصر تأثير الوحي على السنوات التي أنزل فيها فهو سيواصل في كل مكان وزمان حكمه على قلوب نساء ورجال لا حصر لهم كاليوم الذي أنزل فيه.

إن الوحي هو مشروع إنشاء هدفه إنشاء الحياة بواسطة الأشخاص الذين أنشئوا به. وإن تأثير رمضان كتأثير الوحي تماما لا يمكن أن يقتصر على شهر واحد فقط فالمعنى الذي يحمله رمضان يهدف إلى جعل المؤمن ينشره على طيلة سنوات عمره ليجعل من عمره كله رمضانا.

والحقيقة التي يجب أن لا ننساها هنا هي أن من يعيش حياته كلها رمضانا تكون عقباه في دار الآخرة عيدا. وذلك العيد ما هو إلا الجنة بعينها. وبهذا الشكل فإن رمضان يوّلد لدى الشخص الشعور بقول: إذا ما أفطرت على الكفر والشرك والظلم، فلتكن كفارتي إذا جهنم

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.